"داعش" يضرب في كركوك... مرحلة ما بعد التحالف تبدأ بالنار
بعد سنوات من التراجع الكبير في نشاط تنظيم "داعش" داخل العراق، عادت هجمات التنظيم لتثير مخاوف أمنية بالتزامن مع دخول البلاد مرحلة جديدة أعقبت انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول/سبتمبر الماضي، وانتقال القوات العراقية إلى تحمل مسؤولية أكبر في ملاحقة الخلايا ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها.
وكانت المناطق المحررة من "داعش" قد شهدت خلال السنوات الماضية انخفاضاً ملحوظاً في مستوى الهجمات، نتيجة العمليات الاستخبارية والعسكرية والضربات الجوية التي استهدفت خلايا التنظيم ومخابئه في مختلف قواطع العمليات، وحدّت من قدرته على التحرك وتنفيذ عمليات واسعة، ليتجه بصورة أكبر إلى حرب العصابات والكمائن والهجمات المحدودة.
إلا أن الأيام الماضية شهدت استهدافاً جديداً للقوات الأمنية، ولا سيما في محافظة كركوك، حيث تعرضت نقاط أمنية لهجمات مسلحة. وكان أبرزها استهداف موقع للشرطة الاتحادية جنوب غربي كركوك، قرب قضاء الحويجة، ما أسفر عن مقتل منتسب وإصابة أربعة آخرين.
وتكتسب هذه التطورات أهمية بسبب توقيتها بعد أيام قليلة من انتهاء مهمة التحالف الدولي، ما يطرح تساؤلات بشأن محاولة التنظيم استغلال المرحلة الانتقالية واختبار قدرة القوات العراقية على التعامل مع خلاياه، إضافة إلى استثمار أي ثغرات أمنية أو استخبارية قد تظهر مع تغير طبيعة الدعم الدولي.
وتشير طبيعة العمليات إلى أن التنظيم يحاول إثبات استمرار قدرته على الحركة والوصول إلى المواقع الأمنية، وتوظيف هجماته في الحرب النفسية والدعائية، فيما تبقى قدراته بعيدة عن المستوى الذي أتاح له سابقاً السيطرة على مدن ومساحات واسعة من البلاد.
خلايا تختبر الثغرات
يحذر الخبير في الشؤون العسكرية اللواء أحمد الدليمي، في حديث إلى "النهار"، من خطورة عودة "داعش" إلى استهداف القوات الأمنية، معتبراً أن استمرار هذا النشاط، "حتى وإن كان محدوداً، يستوجب التعامل معه بجدية لمنع تحوله إلى موجة أوسع من العمليات". فالهجمات الأخيرة، بحسب الدليمي، تكشف استمرار وجود خلايا قادرة على استغلال الثغرات الأمنية والجغرافية وتنفيذ عمليات مباغتة، فيما يسعى التنظيم إلى الحفاظ على قدرته على الحركة وإعادة تنشيط خلاياه.
ويربط احتواء هذا التهديد بتكثيف الجهد الاستخباري ومتابعة الخلايا النائمة ومصادر تمويلها وخطوط إمدادها، وتعزيز الرصد في المناطق النائية والصحراوية، إلى جانب تحسين التنسيق بين الأجهزة الأمنية وسرعة تبادل المعلومات، خصوصاً في مناطق تداخل المسؤوليات.
وبحسب الدليمي، تعتمد خلايا "داعش" حالياً على الاستنزاف والكمائن والضربات المباغتة، ما يجعل العمليات الاستباقية والضغط المستمر عليها أولوية، خصوصاً مع احتمال استغلال التنظيم انسحاب التحالف الدولي لتكثيف تحركاته.
.

مرحلة ما بعد التحالف
ومع انتقال العراق إلى مرحلة ما بعد التحالف الدولي، تتغير طبيعة المواجهة مع "داعش" عن حرب تحرير المدن، إذ يزداد الاعتماد على العمل الاستخباري والرصد والمراقبة والعمليات النوعية ومنع الخلايا من إعادة بناء شبكاتها.
وتستند هذه المخاوف، بحسب خليل، إلى تحذيرات سابقة أطلقتها قوى سياسية من انسحاب سريع وغير مدروس في ظل استمرار وجود خلايا للتنظيم. فالعراق، وفق قوله، "يحتاج إلى مرحلة انتقالية مدروسة تضمن استمرار الدعم والتنسيق الاستخباري والأمني، بما يمنع حدوث أي فراغ يمكن أن تستغله الجماعات الإرهابية". ويوضح أن تلك التحذيرات تتعلق بضرورة تنفيذ الانتقال بصورة تحمي الاستقرار الذي تحقق بعد سنوات من الحرب على "داعش"، محذراً من أن "أي تراجع في الجهد الاستخباري أو التنسيق الأمني قد يوفر للتنظيم فرصة لإعادة ترتيب صفوفه".
وفي الجانب السياسي، يتحدث خليل عن تعامل بعض الأطراف مع ملف الانسحاب انطلاقاً من "ضغوط وأجندات سياسية وخارجية"، داعياً إلى استناد القرارات المتعلقة بالأمن الوطني إلى تقديرات المؤسسات الأمنية والاستخبارية وحجم التهديدات على الأرض. كما يحذر من أن ارتفاع وتيرة الهجمات قد يمنح التنظيم فرصة لاستعادة جزء من قدرته على الحركة وتنفيذ العمليات، ويربط الحفاظ على الاستقرار بقرارات مدروسة تُبقي مواجهة خطر "داعش" أولوية وطنية.
.
اختبار أمني جديد
تضع هجمات كركوك القوات العراقية أمام اختبار مبكر في مرحلة ما بعد التحالف، يتمثل في قدرتها على سد الثغرات والحفاظ على المبادرة في مواجهة الخلايا المتبقية ومنع التنظيم من استثمار التحول الأمني لإعادة بناء قدراته وشبكاته.
وتبقى قدرات "داعش" الحالية بعيدة عن نموذج السيطرة المكانية الذي انتهى قبل سنوات، إلا أن استمرار الهجمات المحدودة يفرض الحفاظ على مستوى مرتفع من الجاهزية وتكثيف العمليات الاستباقية، منعاً لتحول الخلايا المتبقية إلى نواة لتصعيد أوسع في البلاد.
نبض