التحالف يغادر العراق... من يحميه من "داعش" والمسيّرات والسلاح؟
يدخل العراق بعد 30 أيلول/سبتمبر مرحلة أمنية مختلفة مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وفيما تؤكد بغداد أن قواتها باتت قادرة على تولي المسؤولية كاملة، يترك الانسحاب ثلاثة ملفات مفتوحة في توقيت واحد: استمرار نشاط خلايا تنظيم "داعش"، هشاشة الدفاع الجوي أمام الصواريخ والمسيّرات، ومستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة.
ولا تبدو المخاوف مرتبطة باحتمال تكرار مشهد 2014 بالصورة نفسها. فقد خسر "داعش" قدرته على السيطرة الواسعة على الأرض، إلا أن خلاياه لا تزال تنشط في بعض المناطق، فيما يحتاج العراق إلى الحفاظ على قدرات الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة التي وفّر التحالف جزءاً منها. وفي الوقت نفسه، تأتي نهاية المهمة العسكرية قبل اكتمال خطة حصر السلاح، التي حدد رئيس الوزراء علي الزيدي 30 حزيران 2027 موعداً مستهدفاً لإنجازها.
كردستان بلا المظلة نفسها
تظهر حساسية الانتقال بصورة أوضح في إقليم كردستان، الذي تعرض خلال الأشهر الماضية لمئات الهجمات بالصواريخ والمسيّرات وسط التصعيد الإقليمي. واعتمد الإقليم في اعتراض جزء من هذه التهديدات على منظومات وقدرات أميركية تابعة للتحالف، ما يجعل سحبها أحد أبرز عناصر القلق في أربيل.
وتقول مصادر أمنية عراقية لـ"النهار" إن الانسحاب يشمل معدات ومنظومات دفاع جوي، في وقت تعمل بغداد على توسيع قدراتها الوطنية في الرصد والحماية الجوية.
وكان رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني قد حذر من أن خروج القوات الأميركية من دون بديل دفاعي مناسب قد يترك الإقليم أكثر عرضة للهجمات، في ظل استمرار امتلاك جماعات مسلحة صواريخ ومسيّرات قادرة على الوصول إلى أهداف داخل كردستان.
ويقول عضو "الحزب الديموقراطي الكردستاني" وفاء محمد كريم لـ"النهار" إن "الانسحاب يجب أن يرافقه ضمان واضح لقدرة القوات العراقية على سد أي فراغ أمني محتمل، ومنع تكرار سيناريو 2011، حين أعقب الانسحاب الأميركي اضطراب أمني وتطورات ساهمت لاحقاً في اتساع نشاط تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من العراق عام 2014".

موعد واحد وملفان
يحمل 30 أيلول دلالة مزدوجة بالنسبة إلى بغداد. ففي اليوم نفسه الذي تنتهي فيه مهمة التحالف، تستعد القوى السياسية لإعلان برنامج يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، بينما تمتد الخطة الحكومية المعلنة لإنجاز العملية حتى منتصف 2027.
هذا التباعد الزمني يضع العراق أمام مرحلة انتقالية لا يكون فيها التحالف موجوداً بالصورة العسكرية السابقة، فيما تبقى قوى مسلحة محتفظة بقدراتها. وأبدت بعض الفصائل العراقية مرونة تجاه تنظيم السلاح أو دمج عناصر منها ضمن المؤسسات الرسمية، في حين تتمسك فصائل أخرى بشروطها قبل التخلي عن ترسانتها.
ولا ينحصر أثر هذا الملف في العلاقة بين الحكومة العراقية والفصائل. فوجود قدرات صاروخية ومسيّرات خارج القرار الأمني الرسمي يتقاطع مباشرة مع مخاوف كردستان، كما يزيد تعقيد أي مواجهة محتملة مع خلايا "داعش" أو أي تصعيد إقليمي يمتد إلى الأراضي العراقية.
ويقول الخبير في الشؤون العسكرية اللواء جواد الدهلكي لـ"النهار" إن "المرحلة المقبلة تتطلب جاهزية عالية وقدرات استخبارية ودفاعية متقدمة لمنع حدوث أي فراغ أمني يمكن أن تستغله التنظيمات الإرهابية أو الجماعات المسلحة".
ويرى أن "ملف السلاح يمثل أحد أخطر التحديات في المرحلة المقبلة، لأن وجود أسلحة خارج القرار الأمني الرسمي، بالتزامن مع انسحاب قوة دولية كانت تقدم إسناداً استخبارياً ودفاعياً، يمكن أن يزيد من تعقيدات المشهد الأمني، ولا سيما في المناطق التي تشهد تهديدات مستمرة".
ما بعد 30 أيلول
ويدخل العراق مرحلة ما بعد التحالف بقدرات أمنية وعسكرية راكمها خلال السنوات الماضية. فقد اكتسبت القوات العراقية خبرة واسعة في مكافحة الإرهاب وطورت قدراتها العملياتية منذ انحسار سيطرة "داعش"، فيما تواصل بغداد تعزيز إمكاناتها في الدفاع الجوي والرصد والاستطلاع.
وتتزامن في مرحلة ما بعد التحالف ثلاثة تحديات رئيسية، هي تعويض القدرات التي كان يوفرها، ومنع خلايا "داعش" من استغلال أي ثغرة أمنية، وحصر قرار استخدام القوة بيد الدولة. وستحدد قدرة بغداد على إدارة هذه الملفات ما إذا كان الانسحاب سيمثل انتقالاً منظماً نحو الاعتماد على القدرات الوطنية، أم يكشف ثغرات كان وجود التحالف يحدّ من آثارها.
نبض