لحظة مفصلية في سوريا... مفترق طرق وتحديات
بعد إتمام اندماج الأكراد في شمال شرق سوريا بالدولة السورية، صارت البلاد أمام مفترق طرق ولحظة مفصلية في تاريخها الحديث. تتجه الأنظار نحو تحديات تثبيت هذا الاندماج ونحو الجماعات الانفصالية الأخرى، كتلك الموجودة في السويداء، وما إذا كانت ستحذو حذو الأكراد، مع العلم أن الظروف الجيوسياسية في جنوب سوريا تختلف عما هي عليه في شمالها.
لحظة مفصلية
في هذا السياق، نشرت مجموعة "الأزمات الدولية" دراسة حول اندماج الأكراد بالدولة السورية، تحت عنوان: "لحظة محورية في توحيد سوريا ما بعد الأسد".
وهذا أبرز ما جاء في الدراسة:
أشارت الدراسة إلى أن الاندماج كان بمثابة "لحظة مفصلية في مسار دمج مؤسسات "قسد" (قوات سوريا الديمقراطية) في الدولة السورية. لقد قطعت دمشق وقيادة "قسد" شوطاً طويلاً منذ الاشتباكات التي دارت بين قواتهما في مطلع عام 2026، إلا أن ثمة أسئلة صعبة تنتظر الطرفين مع استمرار المحادثات لتحديد ملامح المرحلة التالية من عملية الدمج؛ ويُعد تعميق التعاون -مع توضيح الرؤية بشكل أكبر لمعالجة مخاوف الأكراد السوريين بشأن أمنهم ودورهم في الحكم- السبيل الأمثل للمضي قدماً.
تحديات تثبيت الاندماج
لا تزال الشكوك حول عملية الدمج عميقة في أوساط الأكراد، حتى في الوقت الذي تطالب فيه أصوات عربية بارزة بتسريع وتيرتها.
لا تزال هناك فجوات مهمة بين الطرفين، لا سيما في ما يتعلق بمدى قدرة المؤسسات التي كانت تابعة للقوات الكردية على الحفاظ على تماسكها أثناء اندماجها في هياكل الدولة. كما سيتعين على الأطراف المعنية التعامل مع ضغوط شعبية متضاربة في الشمال الشرقي؛ فالشكوك بشأن الدمج متجذرة لدى الأكراد، في حين تدعو أصوات عربية بارزة إلى تسريع العملية. وقد أدت الاضطرابات التي أعقبت مقتل جندي كردي في 10 سبتمبر/أيلول إلى تفاقم حالة الاستقطاب.

وإذا تمكنت دمشق والقيادة السابقة لـ "قوات سوريا الديمقراطية" من معالجة هذه القضايا بشكل مشترك، فقد ينجحان في آن واحد في ترسيخ سلطة الدولة ومنح القوات السابقة أدواراً جوهرية في منظومة الحكم المحلي والمركزي. ولن تقتصر فوائد هذه النتيجة على الطرفين فحسب، بل قد تساعد أيضاً في بلورة خيارات للتعامل مع تحديات مماثلة في مناطق أخرى من البلاد التي لا تزال تتعافى من آثار حرب أهلية وحشية استمرت سنوات.
دمج النساء
في غضون ذلك، لا تزال ملفات أخرى خاضعة لمزيد من التفاوض. إذ لم يتوصل الطرفان بعد إلى اتفاق كامل بشأن كيفية دمج عناصر "وحدات حماية المرأة" (YPJ) التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (SDF) في القوات الحكومية. فقد رفضت دمشق مقترحات "قوات سوريا الديمقراطية" بدمج هذه القوة النسائية بالكامل في الجيش السوري الناشئ لمرحلة ما بعد الأسد، والذي يستبعد حالياً النساء من الوحدات القتالية؛ واقترحت بدلاً من ذلك إلحاقهن بوزارة الداخلية، التي بدأت في الأشهر الأخيرة بتجنيد النساء في سلك الشرطة في جميع أنحاء البلاد.
وقد أبدى قادة "قوات سوريا الديمقراطية" و"وحدات حماية المرأة" انفتاحاً مبدئياً على هذه الفكرة، مع التشديد في الوقت ذاته على ضرورة الحفاظ على التماسك الهيكلي للوحدات النسائية والتركيز على مكافحة الإرهاب، استناداً إلى دورها السابق في محاربة تنظيم "داعش". واستمرت دمشق والقادة الأكراد في مناقشة هذه المسألة خلال اجتماعاتهم في أواخر شهر آب/أغسطس، لكنهم لم يتوصلوا بعد إلى تفاهم مشترك.
مركزية الدولة والحكومة
وإلى جانب هذه العقبات العملية المباشرة، ثمة تباين جوهري طبع مسار المفاوضات منذ مطلع عام 2025، يتمحور حول مدى المركزية التي ينبغي أن تتسم بها الدولة السورية الجديدة من وجهة نظر كل طرف، وبالتالي حول كيفية تعريف مفهوم "الدمج"، لا سيما في المناطق ذات الغالبية السكانية الكردية.
ورغم اتفاق الطرفين على ضرورة دمج منطقة شمال شرق سوريا بالكامل في مؤسسات الدولة، إلا أنهما يختلفان حول الدرجة التي يمكن أن تحافظ بها الهياكل المرتبطة سابقاً بـ "قوات سوريا الديمقراطية" -سواء العسكرية أو المدنية- على تماسكها، وكذلك حول مدى الصلاحيات التي ستُمنح للإدارة المحلية.
وحتى الآن، أبدت دمشق استعداداً للقبول بدمج "خفيف" للكيانات الكردية في القطاعين العسكري والأمني بالغي الأهمية، بحيث تحافظ قوات "قوات سوريا الديمقراطية" وقوات "الأسايش" على جزء كبير من تماسكها الهيكلي تحت قيادة ضباط كبار تعينهم دمشق. ونتيجة لذلك، اقتصر التفاعل اليومي الأساسي للسكان الأكراد في شمال شرق البلاد مع القوات الحكومية على التعامل مع عناصر كردية تتبع تسلسلاً قيادياً موحداً ومدمجاً.
وقد ظل هذا هو الحال حتى بعد أن أرسلت الدولة المركزية مزيداً من قواتها إلى المنطقة، وكان آخرها نشر تعزيزات إضافية في مدينة الحسكة في الأول من أيلول/سبتمبر. ويبدو أن هذا النهج قد حقق نجاحاً كبيراً؛ إذ عزز سيادة الدولة في جميع أنحاء شمال شرق البلاد، مع إبقاء مسؤولية الأمن العام في أيدي السكان المحليين، وتخفيف مخاوف الأكراد بشأن كيفية تعاملهم مع قوات غير كردية. غير أن الاتفاقيات المكتوبة التي وقعها الطرفان حتى الآن لا تحدد بوضوح شروط هذه الترتيبات، كما أنها لا تشير إلى المدة التي ستظل فيها هذه الترتيبات سارية؛ ما يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات عما إذا كانت دمشق ستسعى -ومدى إصرارها على ذلك- لتعزيز السلطة المركزية بمرور الوقت.
وكان هذا الغموض سبباً رئيسياً وراء مطالبة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مراراً وتكراراً بتثبيت هذه التفاهمات من خلال شكل من أشكال الضمانات الدستورية. إلا أن دمشق أبدت تحفظاً، مُرجئةً البت في هذا المطلب إلى المحادثات المرتقبة حول دستور سوريا المستقبلي. وفي السياق ذاته، أوضح القادة الأكراد عزمهم على الدفع -خلال تلك المحادثات- نحو إقرار حماية دستورية أكثر صراحةً للحقوق اللغوية والثقافية؛ علماً بأن الإطار الزمني وآلية صياغة الدستور لا يزالان غير محددين، وكذلك الآلية التي ستتيح للقادة الأكراد المشاركة في هذه العملية وإبداء آرائهم فيها.
النازحون والعنف والاقتصاد
إلى جانب هذه الفجوات، تبرز ثلاثة تحديات رئيسية: إعادة النازحين إلى ديارهم، والتعامل مع الحوادث التي تهدد بإشعال فتيل التوترات العرقية والسياسية، ومعالجة الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة الذي يُعد - جزئياً على الأقل - نتيجةً لعملية الاندماج.
تُعد قضية النازحين واحدة من أكثر القضايا حساسية في شمال سوريا؛ فقد عانى كل من الأكراد والعرب من عمليات نزوح واسعة النطاق إبان الحرب الأهلية.
في غضون ذلك، تفرض الظروف الاقتصادية في الشمال الشرقي تحدياً سياسياً آخر، إذ ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل ملحوظ في المناطق التي كانت تخضع سابقاً للإدارة المرتبطة بـ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). ورغم أن التضخم يعم أرجاء سوريا، إلا أن الارتفاع الحاد في الأسعار في الشمال الشرقي خلال الأشهر الأخيرة كان لافتاً بشكل خاص؛ وقد نجم ذلك - جزئياً على الأقل - عن التغييرات المترتبة على عملية الدمج.
فعندما كانت الإدارة السابقة المرتبطة بـ "قسد" تتولى إدارة عمليات استخراج النفط والسياسة الاقتصادية في المنطقة، كانت توفر الوقود بأسعار زهيدة وتقدم أشكالاً مختلفة من الدعم لمولدات الكهرباء والمخابز ومرافق أخرى، فضلاً عن دعم القطاع الزراعي الحيوي. ولكن مع بسط دمشق سيطرتها، عمدت إلى تقليص هذه المزايا تماشياً مع عزمها العام على الحفاظ على الانضباط المالي. وقد أدى الجمع بين خفض الدعم وارتفاع أسعار الطاقة إلى إلحاق ضرر بالغ بالشمال الشرقي، ما خلّف تداعيات متتالية على الاقتصاد المحلي. وفاقم هذا الوضعَ قرارُ الحكومة الصادر في 13 أيلول/سبتمبر برفع أسعار الوقود بشكل حاد، ما أثار موجة احتجاجات داخل الشمال الشرقي وخارجه.
نموذج يستنسخ
يُعد التقدم المحرز في عملية الدمج حتى الآن دليلاً على الرؤية الثاقبة لقادة الجانبين؛ غير أنه يتعين عليهم مواصلة التركيز على التحديات الجسيمة التي تنتظرهم.
فالرهانات كبيرة، والمكاسب المحتملة لمزيد من التقدم عظيمة؛ ففي حين أن أي انتكاسة قد تكون لها عواقب وخيمة على استقرار المنطقة، فإن النجاح قد يبرز خيارات بناءة لمعالجة قضايا الحكم والدمج في مناطق أخرى - ولا سيما في جنوب سوريا، حيث لا تزال محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، خارج سيطرة الحكومة. ورغم اختلاف الظروف المحلية والجيوسياسية، فإن العوامل التي ستحدد نجاح أو فشل عملية الدمج في الشمال الشرقي ستكون حاسمة أيضاً لأي عملية دمج في السويداء، وتتمثل في: إشراك القوى المحلية لتولي زمام الأمن اليومي، وضمان تمثيل جيد للمنطقة في هياكل الحكومة المركزية، وتحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة وتقديم خدمات أفضل للسكان.
بعد أن أنجزت دمشق العديد من أولوياتها - ولا سيما بسط سلطة مؤسسات الدولة وقيادتها في أنحاء الشمال الشرقي - ينبغي لها الآن التركيز على إظهار الفوائد الملموسة لعملية الدمج. فكلما تزايدت المؤشرات الدالة على تحسن الأمن والحكم وجودة الحياة للسوريين في الشمال الشرقي، زادت مصداقية عملية الدمج، بما في ذلك لدى أولئك الذين لا يزالون يشعرون بتوجس مبرر إزاء سلطة الدولة المركزية بعد عقود من المعاناة في ظل حكم عائلة الأسد.
وتحقيقاً لهذه الغاية، ينبغي لدمشق أن توضح أن عناصر "الأسايش" السابقين التابعين لقوات سوريا الديمقراطية (SDF) سيشكلون النواة طويلة الأمد لقوى الأمن المحلية. كما يتعين عليها ضمان قدرة قادة مثل مظلوم عبدي وإلهام أحمد على أداء أدوار جوهرية وبارزة في رسم السياسات، بما في ذلك المشاركة في صياغة دستور جديد؛ إذ يظل إحراز تقدم في هذا الملف أمراً حيوياً لعملية الانتقال الأوسع في سوريا لمرحلة ما بعد الأسد. ورغم أن تخفيف المعاناة الاقتصادية في الشمال الشرقي سيشكل تحدياً في ظل القيود المالية التي تواجهها سوريا، إلا أنه بإمكان دمشق بحث آفاق الحصول على مساعدات خارجية لدعم عملية الاندماج، وذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول الخليج العربية.
وفي ظل حل قوات سوريا الديمقراطية وتولي العديد من شخصياتها القيادية مناصب حكومية رفيعة، قد تأخذ عملية الاندماج طابعاً يبتعد عن كونه مجرد تفاوض بين طرفين، ليصبح مزيجاً من المساومة والتعاون بين مختلف مكونات الدولة. ويمكن القول إن هذا التحول قد بدأ بالفعل على المستوى المحلي، وهو ما يتجلى في التعاون بين الجانبين لتسهيل عودة النازحين واحتواء التوترات عند تصاعدها. وإذا كانت دمشق تهدف إلى جعل عملية دمج الشمال الشرقي نموذجاً يُحتذى به، فإن البناء على هذا التعاون - بما في ذلك على المستوى الوطني - سيُعد وسيلة مهمة لتعزيز جاذبية هذه التجربة.
نبض