بالفيديو - ختم من القدس في فرن عمره 400 عام بدمشق
يقدّر عمر الفرن بنحو أربعمئة عام، فيما حافظ أصحابه على ممارسة الطقوس المرتبطة بصناعة القربان حتى اليوم.
أريج فرزلي - سوريا
بين حارات دمشق القديمة في سوريا، وتحديداً في باب شرقي بحارة حنانيا، يحتفظ فرنٌ عمره نحو أربعمئة عام بختمٍ وصل إليه من القدس، إلى جانب أدوات وأختام توارثتها الأجيال. هنا، لا تزال صناعة القربان المقدس تتم بالطريقة التقليدية التي عرفها أصحاب الفرن الأوائل، فيما يبقى الختم القادم من القدس، والمطبوع عليه رمز وعبارة دينية يونانية منها "يسوع قاهر الموت"، جزءاً من هذه الحرفة التي حافظت عليها العائلة جيلاً بعد جيل.
فرن توارثته الأجيال
يقول سامر سلمون لـ"النهار"، وهو أحد أصحاب الفرن والعاملين فيه، إن عائلته توارثت هذا المكان عن والدهم، وإن العمل فيه بدأ بصناعة الخبز، قبل أن ينتقل إلى صناعة القربان إلى جانب الخبز.
ويقدّر عمر الفرن بنحو أربعمئة عام، فيما حافظ أصحابه على ممارسة الطقوس المرتبطة بصناعة القربان حتى اليوم.
داخل الفرن، لا تصنع قطع القربان بحجم واحد، فلكل حجم استخدامه الخاص. يشرح سامر أن القطعة الكبيرة مخصصة لما يُصلّى عليه الكاهن، فيما تُستخدم القطعة الوسطى للمناولة خلال القداس الإلهي في الكنيسة، أما القطع الصغيرة فتُحضّر للاستخدامات المرتبطة بالأقداس، وبخاصة في مناسبة الوفاة، وتُوضع في أكياس لتوزيعها على أبواب الكنائس كنوع من الرحمة للمتوفى.
ولا تكتمل حكاية القربان من دون أختامه. يحتفظ الفرن بطوابع قديمة تُستخدم لطباعة الرموز والعبارات الدينية على العجين.
وبحسب سامر، فإن أحد هذه الأختام وصل إلى الفرن من القدس خصيصاً، ليُستخدم في إعداد القربان الخاص بالرعية المسيحية. ويُطبع عليه رمز وعبارة دينية يونانية، منها "يسوع قاهر الموت"، ليبقى هذا الختم جزءاً أساسياً من طقوس صناعة القربان، إلى جانب الأختام الأخرى التي حافظ عليها الفرن عبر السنوات.
من العجين إلى القربان
أما مراحل صناعة القربان، فتبدأ بالعجين. يشرح سيمون سلمون، شقيق سامر وأحد العاملين في الفرن، أن العجين يُحضّر أولاً باستخدام عجانة قديمة، ثم يُترك ليرتاح قبل تقطيعه وضبطه.
بعد ذلك تُرقّ القطع باستخدام الرقاقة، ثم توضع مجدداً على "المريحة" حتى ترتاح، قبل أن تصبح جاهزة للخبز.
ومن بين الأدوات التي تحمل تاريخ الفرن، عجانة قديمة وصلت إلى سوريا من إيطاليا. ويقول سيمون إنها واحدة من خمس عجانات وصلت إلى سوريا، فيما بقيت هذه العجانة حاضرة في الفرن حتى اليوم، لتشارك في صناعة القربان بالطريقة التقليدية.

هنا، تبدو الأدوات القديمة أكثر من مجرد وسائل للعمل؛ فهي جزء من ذاكرة المهنة، كما هي الأختام التي انتقلت من يدٍ إلى أخرى، وحفظت معها تفاصيل حرفة لم تنقطع رغم مرور مئات السنين.
في زمن تغيّرت فيه أدوات المهن وتطورت طرق الإنتاج، بقي هذا الفرن متمسكاً بما ورثه. عجانة قديمة، رقاقة، مريحة، وأختام تحمل رموزاً دينية، بينها ختم وصل من القدس؛ أدوات بسيطة تختصر حكاية عائلة حافظت على مهنتها، وعلى طريقة صناعة القربان كما عرفتها الأجيال السابقة.
ومن حارة حنانيا في باب شرقي، لا يزال الفرن يعمل حتى اليوم، شاهداً على أن بعض المهن لا تعيش بالتطوير وحده، بل بقدرتها على حفظ الذاكرة ونقلها من جيل إلى جيل.
نبض