شروط الفصائل تعقّد حصر السلاح في العراق... شهر قبل المواجهة؟
دخل ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق مرحلة بالغة الحساسية، قبل شهر من موعد 30 أيلول/سبتمبر، في ظل اتساع الفجوة بين إصرار الحكومة على إنهاء ظاهرة السلاح خارج المؤسسات الرسمية، ومواقف فصائل تطرح شروطاً سياسية وأمنية معقدة مقابل التخلي عن ترساناتها.
ومع بقاء شهر واحد على انتهاء مهمة التحالف الدولي وبدء التنفيذ التدريجي لمسار حصر السلاح، يتصاعد القلق من انتقال الخلاف من التفاوض السياسي إلى مواجهة داخلية، إذا استمر الرفض أو القبول المشروط من بعض الفصائل.
ويكتسب هذا الاستحقاق أبعاداً تتجاوز الترتيبات الأمنية والقانونية، ليصبح محكاً لقدرة الدولة على فرض قرارها السيادي، وسط ضغوط أميركية وحسابات إقليمية مرتبطة بعلاقات بغداد مع طهران وواشنطن.
وكانت الحكومة العراقية قد حدّدت، في حزيران/يونيو الماضي، 30 أيلول محطة أساسية في هذا المسار، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي، موضحة أن التنفيذ سيمضي بصورة تدريجية وبما يضمن إنفاذ سلطة القانون.
شروط تتجاوز السلاح
تزايدت تعقيدات الملف بعد طرح عدد من الفصائل شروطاً مسبقة للتخلي عن السلاح. ومن أبرز المطالب الواردة في بيانات وتصريحات صدرت عن "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" و"كتائب سيد الشهداء"، انسحاب القوات الأميركية والتركية من العراق، وحل قوات البيشمركة، وضمان استقلال القرار السياسي والاقتصادي والمالي العراقي، إلى جانب إخراج الشركات الأميركية من البلاد.
وتنقل هذه المطالب النقاش من آليات تسليم السلاح إلى ملفات أوسع تشمل الوجود الأجنبي والضمانات السياسية والأمنية وطبيعة العلاقة مع الدولة. كما تضع الحكومة أمام معادلة دقيقة بين فرض احتكارها للقوة وتجنب مواجهة مع فصائل تمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية وحضوراً سياسياً واسعاً.
ويقرأ الخبير في الشؤون العسكرية العميد الركن عدنان التميمي هذه الشروط باعتبارها مؤشراً إلى تعقيد خطير في الملف، موضحاً لـ"النهار" أن "ربط تسليم السلاح بشروط سياسية وأمنية يعني عملياً رفض مبدأ احتكار الدولة للقوة، وليس مجرد تفاوض على آليات التنفيذ".
وبالنسبة إليه، لا تستطيع الدولة الدخول في مفاوضات مفتوحة بشأن أصل سيادتها، لأن وضع السلاح حصراً تحت قيادة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية يمثل قاعدة لا تخضع لمصالح الفصائل أو حساباتها الإقليمية.
وتكمن الخطورة، وفق التميمي، في تحوّل الترسانات إلى ورقة تفاوض، بما يبقي قرار الحرب والسلم موزعاً بين أكثر من جهة. كما أن اقتراب 30 أيلول يضع الحكومة أمام محك تحويل تعهداتها إلى إجراءات ميدانية، فيما قد يقود اللجوء إلى القوة، من دون غطاء سياسي وأمني واسع، إلى احتكاكات خطيرة.
ويزداد هذا الاحتمال مع تلويح بعض الفصائل العراقية بإمكان حدوث صدام داخلي إذا فُرض نزع السلاح بالقوة، ما يضيّق هامش التحرك أمام بغداد ويجعل أي خطوة قسرية محفوفة بتداعيات أمنية وسياسية.

الضغط الأميركي يضيّق الهامش
تأتي هذه التطورات وسط ضغوط أميركية متزايدة لإنهاء ملف الفصائل المسلحة، فيما تحاول بغداد إدارة توازن دقيق بين متطلبات السيادة الداخلية، وعلاقتها بواشنطن، وتشابك مصالحها مع طهران والقوى المرتبطة بها.
وتتداخل الضغوط الأمنية مع ملفات مالية واقتصادية، لتصبح قضية السلاح جزءاً من معادلة أوسع تتصل بمستقبل علاقة العراق بالولايات المتحدة، وحدود النفوذ الإقليمي، وطبيعة القرار السيادي داخل البلاد.
وتتمسك الحكومة بالحوار والآليات التدريجية، بالتوازي مع إعداد مشروع قانون يعزز خضوع السلاح للمؤسسات الرسمية. غير أن خياراتها تبقى محدودة، إذ قد يُفسر التراجع أمام شروط الفصائل باعتباره عجزاً عن فرض سلطة الدولة، فيما قد يفتح اللجوء إلى الإجراءات القسرية الباب أمام توتر واسع.
ويضع المستشار الحكومي السابق عائد الهلالي الحوار في إطار البحث عن آليات التنفيذ، بعيداً من المساومة على أصل القرار. ويوضح لـ"النهار" أن "الحكومة لن تقبل بتحويل هذا الاستحقاق إلى مادة للمساومة السياسية أو ربطه بشروط تفرضها أي جهة مسلحة، والحوار مستمر بهدف تنفيذ القرار بصورة تحفظ الاستقرار وتمنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية".
فحصر السلاح، بحسب الهلالي، التزام دستوري وسيادي، فيما تتركز المفاوضات الجارية على كيفية تطبيقه وتجنب الاحتكاك الأمني. ولا يعني اعتماد الحوار، في رأيه، القبول بتأجيل مفتوح أو تعطيل المسار.
ومن هنا تكتسب محطة 30 أيلول أهميتها، إذ تتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي وتضع ملف السلاح أمام مرحلة جديدة. وتريد الحكومة عبور هذه المرحلة من دون مواجهة، مع تمسكها بحقها في احتكار قرار استخدام القوة ومنع تحول السلاح إلى أداة لفرض الإرادات السياسية.
وفي الوقت نفسه، تدرك بغداد أن طريقة معالجة القضية ستترك أثراً مباشراً في علاقاتها الدولية، ما يضيف إلى الحسابات الداخلية ضغوطاً سياسية وأمنية يصعب فصلها عن التنافس الأميركي–الإيراني.
ماذا بعد 30 أيلول؟
تواجه الحكومة، قبل شهر من الموعد، معادلة مزدوجة بين الحفاظ على الاستقرار وإثبات قدرتها على إخضاع السلاح لسلطة المؤسسات الرسمية.
ويتحول 30 أيلول من محطة مرتبطة بانتهاء مهمة التحالف الدولي إلى منعطف سياسي وأمني للدولة العراقية. وقد تتيح التسوية التدريجية إنهاء ازدواجية السلاح من دون صدام، فيما ينذر استمرار الشروط والرفض، بالتزامن مع الضغوط الأميركية، بأزمة أوسع تتصل بطبيعة القرار السيادي ومستقبل التوازنات داخل العراق.
نبض