بالفيديو - "حين تتكلم الجدران": "النّهار" في متحف صيدنايا... ورواية معتقل سابق
أريج فرزلي - "النهار"
ليست كل الآلام تُروى بالكلمات؛ فبعضها ترك أثره على جدران وأبواب سجن صيدنايا الشهير في سوريا، وأغراضٍ بسيطة حملت معها حكايات أصحابها، وبقيت شاهدة على سنوات من القيد والخوف والمعاناة.
من هذا المنطلق، خصّصت وزارة الداخلية مساحة لمتحف «حين تتكلم الجدران»، لتجسيد جانب من الحالة المأسوية التي عاشها المعتقلون والمعتقلات داخل سجون نظام بشار الأسد، من خلال إعادة عرض تفاصيل من تلك الأمكنة، ونقل مقتنيات وأغراض صنعها المعتقلون بأيديهم، إلى جانب جداريات رسموها داخل السجون.
جداريات وأغراض صنعتها أيدي المعتقلين
في أروقة المتحف، تظهر جداريات رسمها معتقلون داخل السجون، إلى جانب أغراض صنعوها بأيديهم في محاولة لخلق شيء من الحياة داخل المكان المغلق.
من بين هذه المقتنيات لعبة شطرنج مصنوعة من كرتون صحون البيض، فيما تظهر ألعاب صنعتها أمهات لأطفالهن داخل المعتقل، إلى جانب ملابس أطفال نُقلت من داخل المعتقلات كما هي، لتكشف جانباً من الحياة اليومية التي عاشتها عائلات وأطفال خلف القضبان.

هذه الأشياء البسيطة لا تحمل قيمتها من مادتها، بل من قصص أصحابها، ومن الظروف التي صُنعت فيها، لتصبح اليوم جزءاً من ذاكرة المكان.
أبواب وأدوات من داخل الأفرع الأمنية
ولا تقتصر المعروضات على مقتنيات المعتقلين، إذ نُقلت أبواب من أحد الأفرع الأمنية كما هي، لتعيد إلى الواجهة شكل المكان الذي كان يفصل المعتقل عن العالم الخارجي.

كما يعرض المتحف نماذج من أدوات التعذيب التي كانت تستخدم لإذلال المعتقلين وكسرهم نفسياً وجسدياً، في محاولة لتوثيق جانب من الأساليب التي ارتبطت بتجربة الاعتقال داخل تلك الأفرع والسجون.
الزنزانة… من مكان للقيد إلى شاهد على الذاكرة
وفي أحد أقسام المتحف، تقف زنزانة نُقلت من فرع الأمن العسكري بتفاصيلها، لتنتقل من مكان كان شاهداً على القيد والخوف والعنف إلى مساحة مفتوحة أمام الزوار.

الجدران والأبواب والمساحة الضيقة التي كانت جزءاً من حياة المعتقلين، أصبحت اليوم جزءاً من عملية التوثيق، بحيث لا تبقى تلك الأماكن مجرد مواقع خلف أبواب مغلقة، بل تتحول إلى شواهد مادية على ما جرى فيها.
شهادة من معتقل سابق
وخلال الجولة في المتحف، التقت "النهار" أحد المعتقلين السابقين في سجون نظام الأسد، وتحديداً في سجن صيدنايا، حيث أمضى سنوات متنقلاً بين الأفرع الأمنية والسجن.

يستعيد المعتقل السابق أمام هذه المعروضات جانباً من حياته داخل المعتقل، موضحاً أنه حُوّل إلى سجن صيدنايا من مطار المزة، وأمضى فيه أربع سنوات ونصف نة، فيما وصلت سنوات اعتقاله بين الأفرع وسجن صيدنايا إلى نحو ست سنوات.
ويختصر تلك السنوات بجملة بسيطة: «هذا الواقع… هيك عشنا».
تفاصيل صغيرة تختصر قسوة الحياة
داخل السجن، لم تكن الاحتياجات اليومية متاحة كما هي خارج جدرانه، لذلك كان المعتقلون يحاولون ابتكار حلول من الأشياء القليلة الموجودة حولهم.
ويشرح المعتقل السابق أن كرتونات البيض كانت تتحول إلى وسائد، فيما كانوا يضعون قناني مياه الشرب قرب الفتحات الموجودة في الجدران، حيث يصل إليها الهواء، في محاولة لتبريدها خلال الأيام الحارة.
قد تبدو هذه التفاصيل عابرة في الحياة اليومية، لكنها داخل السجن كانت تعكس واقعاً مختلفاً؛ واقع اضطر فيه المعتقل إلى التعامل مع أبسط احتياجاته باعتبارها تحدياً إضافياً.
حين تتحول الأشياء إلى ذاكرة
في «حين تتكلم الجدران»، لا تُعرض الأبواب والزنزانات والأدوات والمقتنيات بوصفها أشياء جامدة، بل باعتبارها شواهد على أشخاص عاشوا خلفها، وحملوا معهم تفاصيل حياتهم إلى داخل المعتقل.
لعبة صنعت من كرتون، قطعة ملابس لطفل، غرض تحوّل إلى وسادة، باب أُغلق خلف معتقل، وزِنزانة احتضنت سنوات من الخوف… كلها تفاصيل صغيرة، لكنها حين تجتمع تصبح جزءاً من ذاكرة أكبر.
وهكذا، يتحول المتحف من مساحة لعرض مقتنيات السجون إلى مساحة لاستعادة الذاكرة وتوثيق المعاناة، بحيث لا تبقى الحكايات حبيسة أصحابها، ولا تبقى الجدران صامتة أمام ما شهدته.

نبض