إعادة بناء القوة الجوية السورية... ماذا تفعل تركيا خلف الكواليس؟
رفعت الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور مستوى التوتر بين إسرائيل وتركيا، بعدما بررت تل أبيب العملية بالسعي إلى منع انتشار عسكري تركي محتمل، فيما كشفت "أسوشيتد برس" أن وفداً تركياً زار القاعدة العسكرية قبل الضربة بساعات.
ورفضت أنقرة الرواية الإسرائيلية، واعتبرتها محاولة لتبرير ضربات "غير قانونية"، فيما نفى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية أو نشر قوات دائمة في أبو الظهور، موضحاً أن أعمال التأهيل كانت مخصصة لاستخدام القوة الجوية السورية.
وقبل الضربة بـ4 أيام، بحث الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان الوجود العسكري التركي في سوريا، بما يشمل انتشار القوات ومبيعات الأسلحة والمسيّرات، وفق "رويترز". وبعد الهجوم، قال المبعوث الأميركي توم براك إن أنقرة لم تُخطر مسبقاً، وإن رصد الطائرات الإسرائيلية وهي تتجه شمالاً كان يمكن أن يدفعها منطقياً إلى الاستعداد لرد عسكري، قبل احتواء التصعيد.
وتفتح هذه التطورات باباً أوسع على طبيعة الدور التركي في إعادة بناء القوة العسكرية السورية. فهل تكتفي أنقرة بتدريب جيش قادر على حماية الدولة وحدودها، أم تبني نفوذاً طويل الأمد داخل المؤسسة العسكرية، في وقت تحاول إسرائيل رسم سقف لما يمكن لدمشق استعادته من قدرات؟
من التدريب إلى إعادة بناء سلاح الجو
تقول الباحثة المستقلة والمستعربة المتخصصة في الشأن السوري رينا نتجس، لـ"النهار"، إن قاعدة أبو الظهور كانت خارج الخدمة منذ فترة طويلة، لكنها خضعت لأعمال ترميم لإعادتها إلى الاستخدام. وتضيف أن مصادر سورية لديها من عناصر سابقين في "الجيش السوري الحر" أبلغتها بأن "الأتراك كانوا يجهزون القاعدة" قبل استهدافها، معتبرة أن إسرائيل "لا تريد لها أن تصبح القاعدة عملياتية مجدداً".
وتتقاطع إفادة نتجس مع ما نقلته "أسوشيتد برس" عن زيارة وفد تركي للقاعدة قبيل الضربة. وسبق لإسرائيل أن استهدفت في 2025 قواعد "تي فور" وتدمر ومطار حماة، بعدما عاينتها فرق تركية في إطار خطط تعاون دفاعي محتملة.
وفي تموز/يوليو الماضي، أفادت مؤسسة "جينز" المتخصصة في الاستخبارات والمعلومات الدفاعية بتخريج أول دفعة من طلاب القوة الجوية السورية الجديدة، في مؤشر إلى أن عملية إعادة البناء بدأت تتجاوز صيانة ما تبقى من إرث سلاح الجو السابق.
وتقول نتجس، التي زارت شمال سوريا ميدانياً في أيار/مايو وحزيران/يونيو الماضيين، إن تدريب الجيش السوري داخل تركيا بدأ منذ العام الماضي، وإنها شاهدت خلال زياراتها الأخيرة حافلات تقل جنوداً أتراكاً بين كيليس وأعزاز وعفرين، من دون أن ترصد تحركات مماثلة نحو حلب أو مناطق أبعد.
وتشير كذلك إلى قاعدة تركية كبيرة قرب كفر جنة عند مدخل عفرين. وكانت وزارة الدفاع التركية قد أعلنت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي بدء تدريب وحدات من الجيش السوري داخل منشآت عسكرية تركية، إلى جانب التحاق 49 طالباً سورياً بالأكاديميات العسكرية، بينهم 21 من القوة الجوية و18 من البحرية و10 من القوات البرية.

نفوذ أقل ظهوراً وأكثر مؤسساتية
من جانبها، ترى الزميلة الأولى في مركز الدراسات التركية التطبيقية (CATS) في برلين هورجان أصلي أكسوي أن إعادة بناء الجيش السوري أصبحت "ذات أهمية استراتيجية"، لأن أنقرة تريد دولة سورية موحدة وقادرة على السيطرة على حدودها ومؤسساتها الأمنية.
وتقول لـ"النهار" إن ذلك يفسر التدريب التركي والمساعدة في إعادة بناء البنية العسكرية، كما يخدم هدفاً آخر يتمثل في تقليص مساحة الفاعلين المسلحين المستقلين وخفض الحاجة إلى وجود تركي مفتوح المدى.
وبحسب أكسوي، تكشف ضربة أبو الظهور خلافاً أعمق حيال مستقبل سوريا. فأنقرة تفضل دولة سورية أكثر قوة ومركزية، فيما تنظر إسرائيل بحذر إلى استعادة دمشق قدرات عسكرية قد تقيد حرية حركتها، خصوصاً عندما يقترن ذلك بدور تركي متنامٍ. وترى أن الخطر يكمن في تداخل الخطوط الحمراء وتضارب الحسابات داخل المساحة الجغرافية نفسها، بما يرفع احتمالات الاحتكاك غير المقصود.
وقد يدفع ذلك، بحسب أكسوي، أنقرة نحو نفوذ "أقل ظهوراً وأكثر مؤسساتية"، يرتكز على التدريب واللوجستيات وهياكل القيادة والتخطيط وإعادة بناء المؤسسات الدفاعية، بدلاً من توسيع شبكة القواعد المباشرة.
وهنا تكتسب أبو الظهور دلالة تتجاوز قاعدة جوية تعرضت للقصف. فالمواجهة تدور أيضاً حيال شكل الجيش السوري الذي يتكون بعد سقوط نظام بشار الأسد، والجهة التي ستساهم في صياغة عقيدته وبناء كوادره وقدراته. وفي هذا المسار، قد يصبح حجم النفوذ التركي داخل المؤسسة العسكرية السورية أكثر أهمية من عدد القواعد أو القوات التركية المنتشرة على الأرض.
نبض