الحوثيون يخرجون ميناء المخا من الخدمة... لماذا أصبح هدفاً الآن؟
توقف النشاط التجاري والملاحي في ميناء المخا على الساحل الغربي لليمن، بعد موجة مكثفة من الهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية والمسيّرات والزوارق المفخخة، في تصعيد يطرح سؤالاً يتجاوز حجم الخسائر المباشرة إلى أسباب التركيز على هذا الميناء تحديداً وتوقيت استهدافه.
وقال مدير ميناء المخا عبدالملك الشرعبي إن "الهجمات الأخيرة أسفرت عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 22 آخرين، فيما تُقدّر الخسائر المادية الأولية بنحو 79 مليون دولار".
وشملت الأضرار الرصيف القديم ومستودعات وورشاً ومساكن للموظفين وست سفن خشبية، إلى جانب حفار كان يعمل في مشروع توسعة الميناء، فيما أدى توقف النشاط إلى فقدان نحو 1300 عامل مصادر دخلهم.
ووفق المتحدث العسكري باسم قوات "المقاومة الوطنية" المنتشرة في الساحل الغربي صادق دويد، أطلق الحوثيون خلال أيام 40 صاروخاً باليستياً و46 طائرة مسيّرة، إلى جانب زوارق مفخخة، باتجاه المخا ومينائها ومواقع في محيطها.

روايتان للهجمات
أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع استهداف ما وصفه بـ"تحشيدات وأسلحة" وقوارب عسكرية تابعة لقوات مناوئة للجماعة في منطقة المخا، وقال إن العمليات نُفذت بصواريخ باليستية وأوقعت قتلى وجرحى.
في المقابل، تؤكد الحكومة اليمنية ووزارة النقل أن الجزء الأكبر من الأضرار المعلنة وقع في منشآت اقتصادية ومدنية، وطال مساكن الموظفين والمستودعات ومرافق الميناء.
ويتساءل الناطق باسم القوات المشتركة في الساحل الغربي وضاح الدبيش، في حديث إلى "النهار"، عن الأهداف العسكرية التي أصابتها الهجمات قياساً بحجم القوة النارية المستخدمة.
ويضيف "بعد هذا الكم من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، أين الأهداف العسكرية التي يزعم الحوثيون أنهم استهدفوها؟".
ويرى الدبيش أن الأضرار المعلنة حتى الآن تركزت في "الميناء والبنية التحتية والمرافق المدنية"، معتبراً أن القضية تجاوزت البحث عن هدف عسكري محدد إلى "محاولة للضغط على المخا وضرب مينائها واقتصادها وإرباك الحياة فيها".
لماذا المخا الآن؟
تبدأ أهمية المخا من موقعها على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، لكنها تكتسب وزناً إضافياً في خريطة السيطرة داخل اليمن.
فالمدينة تقع ضمن المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً والقوات المناهضة للحوثيين، فيما يسيطر الحوثيون على موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى شمالاً. ويوفر تطوير المخا للمناطق الخاضعة للحكومة منفذاً بحرياً على الساحل الغربي يعمل خارج منظومة الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون.
ويبرز العامل الاقتصادي بصورة أكبر مع مشروع تطوير الميناء. ففي كانون الأول/ديسمبر 2025، وقعت مؤسسة موانئ البحر الأحمر اليمنية مذكرة لتأهيل ميناء المخا وتطويره وتشغيله بقيمة 138.9 مليون دولار.
ويتضمن المشروع إنشاء رصيف جديد بطول 280 متراً وغاطس 12 متراً، وساحات للحاويات ومستودعات وصوامع للحبوب والأسمنت، مع خطة لرفع طاقة الميناء إلى 195 سفينة ومناولة 2.275 مليون طن سنوياً.
وبحسب الشرعبي، كان مشروع تعميق الحوض والقناة الملاحية قد أنجز نحو 38 في المئة من أعماله، وكانت الاستعدادات جارية لاستقبال سفن حاويات خلال الأسابيع المقبلة، قبل أن تلحق الهجمات أضراراً بالمعدات والمنشآت المرتبطة بالتوسعة.
وهنا تكتسب مسألة التوقيت أهميتها. فالهجمات جاءت فيما كان الميناء يستعد للانتقال إلى مرحلة تشغيلية أكبر، بما يعزز دوره منفذاً تجارياً لتعز والساحل الغربي ويزيد قدرته على استقبال السفن والحاويات.

ما وراء الاستهداف
لا تقتصر أهمية المخا على موقعها ومينائها. فالمدينة تمثل مركز الثقل الرئيسي لقوات "المقاومة الوطنية" بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، نجل شقيق الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح.
ويرى الدبيش أن هذا العامل حاضر في حسابات الحوثيين، لأن أهمية صالح بالنسبة إلى الجماعة "لا ترتبط بالقوة العسكرية الموجودة على الساحل فقط، وإنما بما قد يمتلكه من امتدادات سياسية واجتماعية في محافظات شمالية".
وبحسب هذه القراءة، قد يستهدف الضغط على المخا إرباك مركز قيادة صالح ورفع كلفة توسعه السياسي والعسكري، إضافة إلى منع المدينة من التحول إلى نقطة تجميع أكثر ثقلاً للقوى المناهضة للحوثيين.
ماذا يعني توقف الميناء؟
الأثر المباشر لخروج ميناء المخا من الخدمة يقع على الحركة التجارية. فهو يحرم تعز والساحل الغربي من منفذ بحري قريب، ويدفع جزءاً من حركة السلع إلى موانئ وطرق برية أبعد، بما يمكن أن يزيد تكاليف النقل ويضغط على التجار والعمال والنشاط الاقتصادي المحلي.
لكن الخسارة الأبعد ترتبط بمستقبل الميناء نفسه. فمنشأة كانت تستعد لجذب سفن الحاويات وتوسيع أرصفتها ورفع قدرتها التشغيلية أصبحت عاجزة حالياً عن العمل، فيما قد يؤدي استمرار الهجمات إلى رفع مخاطر الشحن والتأمين وتأخير الاستثمارات المخصصة لتطويرها.
بهذا المعنى، يلتقي في المخا أكثر من عامل يجعلها ذات أهمية خاصة في الصراع اليمني. موقع استراتيجي قريب من باب المندب، ومنفذ اقتصادي يتوسع خارج الموانئ الخاضعة للحوثيين، ومركز نفوذ عسكري وسياسي لصالح.
وهذا ما يجعل توقف الميناء أبعد من خسارة منشأة تجارية، إذ يضرب واحداً من المشاريع التي تراهن عليها المناطق الخاضعة للحكومة لتوسيع خياراتها البحرية والاقتصادية على الساحل الغربي لليمن.
نبض