"كنت أسمع ابني يصرخ"... شهادات لـ"النهار" عمّا فعله الجيش الإسرائيلي في قلنديا
دوّى انفجار عند مدخل المبنى الذي يسكنه أبو بلال، 45 عاماً، في مخيم قلنديا شمال القدس. فجّر جنود إسرائيليون الباب الخارجي، ثم اقتحموا منزل والديه المسنين في الطابق الأول، قبل أن يصعدوا إلى شقته في الطابق الثاني.
يقول أبو بلال لـ"النهار": "فجّروا الباب من دون سابق إنذار. حاولت أنا وزوجتي فتحه لهم قبل تفجيره، لكنهم اعتدوا علينا وصوبوا بنادقهم إلى رؤوسنا".
كان ذلك ليل 5-6 آب/أغسطس، في الساعات الأولى من عملية عسكرية إسرائيلية امتدت نحو 46 ساعة في مخيم قلنديا، وخلّفت إصابات واعتقالات وأضراراً واسعة في المنازل والمحال والبنية التحتية.
"قلت لهم إنه صغير"
احتجز الجنود زوجة أبو بلال وأطفاله الثلاثة في إحدى الغرف وصادروا هواتفهم، فيما أخضعوه للاستجواب والضرب على مراحل.
ويقول: "ضربوني بوحشية، وركزوا على الجزء العلوي من جسدي، مستخدمين أيديهم وأرجلهم والعتلة"، وهي أداة حديدية تستخدم لفتح الأبواب والنوافذ.
لكن اللحظة الأقسى بالنسبة إليه بدأت عندما أخرج الجنود ابنه بلال، البالغ 16 عاماً، من الغرفة واقتادوه إلى شرفة المنزل.
"كان خمسة جنود يحققون معه ويضربونه. كنت أسمع ابني يصرخ من شدة اللكمات التي تلقاها".
بعد ذلك، أُعيد الفتى إلى الغرفة لاستجوابه أمام والده. وبحسب أبو بلال، هدده الضابط بأنه سيضربه في كل مرة لا يجيب ابنه عن أحد الأسئلة.
ويضيف: "قلت لهم إنه صغير السن، وإن اهتماماته تنحصر في دراسته وهواياته وليس له أي نشاط سياسي، لكنهم لم يسمعوني".
اقتيد بلال لاحقاً واحتُجز نحو 20 ساعة حتى انتهاء العملية. ويقول والده إن الفتى يعاني منذ عودته من آثار نفسية دفعت العائلة إلى الاستعانة باختصاصي نفسي لمساعدته.
أما أبو بلال، فيقول إنه فقد الوعي بعد اقتياد ابنه، وإنه لا يزال يتلقى العلاج من كدمات ورضوض وارتفاع في ضغط الدم وإنزيمات القلب.
ويتحدث عن لحظة أخرى خلال التحقيق، حين وضع أحد الضباط مسدساً في فمه وهدده مطالباً إياه بتقديم معلومات عن أشخاص يصفهم الجيش بـ"الإرهابيين والمخربين".

الاستيلاء على الأموال والذهب
لم تتوقف رواية العائلة عند الاعتداءات. يتهم أبو بلال الجنود بتحطيم محتويات المنزل والاستيلاء على 3000 دولار ومصاغ زوجته الذهبي، بعدما أخذ أحدهم حقيبتها لتفتيشها.
وخلال مقابلة "النهار" معه، حضرت شقيقته إيمان، 52 عاماً، لتتحدث عن تجربة ابنها. وتقول إن الجنود دمروا أثاث منزله وأجهزته الكهربائية، وتتهمهم بالاستيلاء على أموال ومصاغ ذهبي والاعتداء عليه وعلى زوجته.
وتكررت خلال جولة "النهار" في المخيم روايات عن تفجير أبواب وتحطيم أثاث ومحتويات، إلى جانب اتهامات بالاستيلاء على أموال ومصاغ ذهبي.
ويلفت سكان تحدثت إليهم "النهار" إلى أنهم استغربوا، خلال عدد من المداهمات، عدم طلب الجنود بطاقات الهوية التي تستخدم عادة للتحقق من بيانات السكان، فيما تكررت، وفق شهاداتهم، أسئلة من قبيل: "أين الذهب؟ أين الأموال؟".
انفجار هزّ البيوت
الصحافية ميس أبو غوش عاشت العملية من زاوية أخرى. وتقول لـ"النهار" إن الجيش الإسرائيلي منع الطواقم الطبية والصحافيين من دخول المخيم أو قيّد حركتهم داخله، ما صعّب الوصول إلى السكان ومعرفة ما يجري في المنازل.
وتوضح أن الصحافيين اعتمدوا على التواصل مع الأفراد والعائلات، لكن ذلك كان يتعذر أحياناً عندما يصادر الجنود هواتف السكان ويفتشونها.
وتستعيد أبو غوش انفجاراً في منزل لعائلة عمار: "من شدة الانفجار والصوت الذي أحدثه، اعتقد الجميع أن الجيش بدأ بتفجير المنازل".
وفي اليوم التالي، تمكنت من الوصول إلى المكان، حيث شاهدت أضراراً في الشبابيك والأبواب والبلاط والأرضية.
وتقول: "الناس اليوم يخافون من الأيام المقبلة ومما قد يحدث. يشعرون بأن الفترة المقبلة دقيقة وحساسة جداً، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية".
46 ساعة غيّرت وجه المخيم
خلال العملية، أغلق الجيش الإسرائيلي المداخل والطرق الرئيسية، ونشر قناصة، ودهم منازل وحوّل بعضها إلى نقاط عسكرية وأماكن للتحقيق الميداني، ما شلّ مظاهر الحياة اليومية في المخيم.
كذلك، طاول الهدم 7 محال تجارية قرب حاجز قلنديا ومغسلة سيارات، فيما شهدت المنطقة عمليات تجريف في ساحات المنازل وأضراراً في الطرق، إضافة إلى هدم أجزاء من جدار الفصل لتسهيل حركة الآليات العسكرية.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أن هدف العملية كان "إلقاء القبض على المسلحين والبنى التحتية المعادية"، مع التركيز على حيازة الأسلحة والاتجار بها.
ويقول مسؤول العلاقات العامة والإعلام في اللجنة الشعبية والخدمات في المخيم محمد أصلان لـ"النهار" إن التقديرات الأولية للخسائر المادية تراوح بين 1.5 ومليوني شيكل (نحو 500 ألف دولار إلى 670 ألفاً).
ويرى أصلان أن العملية تتجاوز بعدها الأمني إلى حسابات سياسية داخلية إسرائيلية مرتبطة بالانتخابات، مشيراً إلى الأهمية التاريخية والاستراتيجية للمخيم وموقعه عند المدخل الشمالي للقدس. ويقول إن قلنديا تشهد هدوءاً منذ فترة، و"لا يوجد فيها سلاح أو مسلحون يبررون حجم القوة المستخدمة".
ويعتبر أن ما يجري في المنطقة يرتبط بمساعٍ إسرائيلية لتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي الفلسطيني حول القدس وإغلاق ملف اللاجئين وحق العودة.
وتكتسب قلنديا حساسية خاصة بحكم موقعها بين القدس ورام الله، وفي منطقة تشكل عقدة وصل بين المدينة ووسط الضفة الغربية وشمالها، وسط مشاريع استيطانية وإجراءات إسرائيلية تعيد تشكيل محيط القدس.
بالنسبة إلى أبو بلال، تبدو هذه الحسابات بعيدة عن التفاصيل التي تشغل عائلته اليوم. انتهت العملية وغادر الجنود، لكن آثارها بقيت في المنزل وفي جسده وفي الحالة النفسية لابنه.
بعد 46 ساعة، استعادت قلنديا حركتها تدريجاً، فيما بقي الخوف حاضراً خلف أبواب البيوت التي اقتحمها الجنود.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض