الإعدام يدين الأسد ويعقّد استرداده... حكم تاريخي يصطدم بعقدة التنفيذ
أصدرت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية في دمشق، الثلاثاء، أحكاماً بالإعدام على بشار الأسد وشقيقه ماهر وسبعة مسؤولين أمنيين وعسكريين سابقين، بينهم عاطف نجيب، في أول قضية تصل فيها محاكمة رموز النظام السابق إلى أحكام تصنّف الجرائم التي بدأت في درعا عام 2011 جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
ويمثل الحكم أول إدانة قضائية سورية لبشار الأسد منذ سقوط نظامه في كانون الأول/ديسمبر 2024، لكنه يفتح في الوقت نفسه جدلاً قانونياً بشأن قابلية تنفيذ الأحكام، وخصوصاً أن عقوبة الإعدام قد تعقّد تسليم المحكومين الفارين من دول ترفض تسليم مطلوبين يواجهون هذه العقوبة.
وشملت الأحكام الغيابية، إلى جانب بشار وماهر الأسد، فهد جاسم الفريج ومحمد أيمن عيوش ولؤي علي العلي وقصي إبراهيم ميهوب ووفيق صالح ناصر وطلال فارس العيسمي، فيما صدر الحكم حضورياً على نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا والمعتقل منذ كانون الثاني/يناير 2025.
وبدأت محاكمة نجيب في 26 نيسان/أبريل، واستمرت 9 جلسات على مدى ثلاثة أشهر ونصف الشهر، استمعت خلالها المحكمة إلى الشهود والادعاء والدفاع، بحضور ذوي ضحايا ومنظمات حقوقية.
من نجيب إلى رأس السلطة
حمّلت المحكمة بشار الأسد المسؤولية الجنائية بوصفه، وفق منطوق الحكم، "صاحب القرار الأعلى" الذي رسم السياسات وسخّر لها أجهزة الدولة، وجرّمته بالقتل العمد والقصد لأكثر من شخص، وقتل أطفال دون الخامسة عشرة، والقتل المترافق مع التعذيب، والتحريض على القتل، والتعذيب المفضي إلى الموت والحرمان من الحرية.
أما نجيب، فتوسعت الاتهامات بحقه لتشمل، إلى جانب القتل والتعذيب والحرمان من الحرية، الاعتداء الذي يستهدف إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي وسرقة الأموال العامة وغسل الأموال. واستندت القضية إلى قانون العقوبات السوري وقانون تجريم التعذيب لعام 2022 والإعلان الدستوري، إلى جانب مبادئ واتفاقيات دولية.
وتكتسب الأحكام دلالة تتجاوز العقوبات نفسها، إذ تمنح ضحايا انتهاكات وثقتها منظمات سورية ودولية طوال سنوات اعترافاً صادراً عن القضاء السوري، وتربط المسؤولية الجنائية بأسماء تمتد من المسؤول الأمني المحلي إلى رأس هرم السلطة السابق.
وتضع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية المحاسبة ضمن مسار أوسع يشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.

ضمانات المحاكمة
قبل صدور الأحكام، قدّم خبراء قانونيون في تصريحات نقلتها "سانا" قراءة إيجابية لمسار المحاكمة. ورأى مدير مركز الحوار السوري أحمد القربي أن اعتماد قانون أصول المحاكمات الجزائية وفّر ضمانات للدفاع والعلنية ومناقشة الأدلة واستدعاء الشهود، معتبراً أن "السرعة غير المخلة" في التقاضي تدخل ضمن حقوق الضحايا.
وربط الباحث في القانون الدولي المعتصم بالله الكيلاني الحكم على عدالة الإجراءات بتسبيب الأحكام وتكافؤ وسائل الدفاع، بعدما اعتبر حضور المتهمين ومحاميهم ووسائل الإعلام والمنظمات والمدعين وتنظيم تبليغ الغائبين مؤشرات إيجابية.
بدوره، رأى الباحث أيمن أبو هاشم أن الجلسات أظهرت توازناً بين ما قدمته النيابة والمساحة المتاحة للدفاع، مع بناء مسؤولية كل متهم بصورة فردية واستنادها إلى أدلة خضعت للمناقشة.
الإعدام وعقدة التسليم
لكن العقوبة التي منحت الأحكام ثقلها فتحت في المقابل واحدة من أبرز الإشكاليات المرتبطة بتنفيذها.
ويقول رئيس الآلية السورية للتحقيق ياسر شالتي لـ"النهار" إن ما قُدّم بوصفه انطلاقاً لمحاكم العدالة الانتقالية يمثّل "تكريساً للإفلات من العقاب" بالنسبة إلى كبار المسؤولين الفارين، معتبراً أن أحكام الإعدام الغيابية بحق بشار وماهر الأسد وسواهما "قد تمنع دولاً عديدة من تسليمهم إلى سوريا".
ويتفق الخبير القانوني ميشال شماس مع هذه القراءة، إذ يقول لـ"النهار" إن المحكومين الفارين "سعداء اليوم"، لأن الأحكام "تمنحهم حماية عملية من التسليم في دول ترفض تسليم أشخاص يواجهون الإعدام".
وأثار المحامي أنور البني النقطة نفسها في تصريح لـ"رويترز"، معتبراً أن العقوبة "قد تقطع الطريق على تسليم الأسد وغيره إلى سوريا".
وهنا تبرز مفارقة الأحكام الأولى. عقوبة الإعدام التي تعكس جسامة الجرائم المنسوبة إلى المتهمين قد تصبح في الوقت نفسه عقبة أمام استرداد بعض أبرز المحكومين وتنفيذ الأحكام بحقهم.
خلاف يتجاوز العقوبة
ولا يقتصر الجدل على الإعدام. إذ يعترض شالتي أيضاً على "التكييف القانوني" لبعض الجرائم، ويرى أن "إسناد القتل العمد مباشرة إلى الأسد يثير مسألة إثبات الأركان المادية للجريمة"، فيما تحتاج الجرائم المرتكبة ضمن منظومة قيادية، وفق رأيه، إلى "تكييف يحدد مسؤولية القيادة والأوامر والعلاقة بين صاحب القرار والمنفذين".
ويشير كذلك إلى استخدام نصوص "صدرت بعد وقوع بعض الجرائم"، معتبراً أن إجازة تطبيقها بأثر رجعي "لم تتحول بعد إلى تشريع مكتمل".
وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد أثارت قبل الحكم مسائل قانونية مماثلة، بينها "غياب تعريفات وطنية متكاملة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ومسؤولية القيادة"، إضافة إلى التطبيق الزمني لبعض النصوص والإطار القانوني لجرائم الحرب.
وتأتي هذه الأحكام فيما تقول الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إن المسودة الأولى لقانون العدالة الانتقالية لا تزال بانتظار استكمال الإجراءات التشريعية.
وبذلك تضع أولى الأحكام الكبرى في ملف النظام السابق القضاء السوري أمام معادلة معقدة: إدانة غير مسبوقة لرأس النظام السابق وكبار مسؤوليه تمنح الضحايا اعترافاً قضائياً طال انتظاره، في مقابل أسئلة مبكرة حيال الأساس التشريعي للأحكام وقدرة الدولة على استرداد الفارين وتحويل الإدانة القضائية إلى محاسبة قابلة للتنفيذ.
نبض