بالفيديو - يهود دمشق... هل يكتب أبناء الطائفة الموسوية فصلاً جديداً في سوريا؟
مروة البرغش - دمشق
بعد ثلاثة عقود من مغادرتهم دمشق، يعود الحديث عن يهود سوريا، ليس من بوابة السياسة، بل من باب الذاكرة وإعادة الإعمار. فمن نيويورك إلى دمشق، يحمل جوزيف جاجاتي، السوري الذي يعتنق اليهودية، حلم إعادة وصل ما انقطع، بينما يستعيد جده سيمون الحلبي تفاصيل مدينة لم تغادر قلبه يوماً.
لم يكن عمر جوزيف جاجاتي يتجاوز العامين عندما غادر دمشق برفقة عائلته في مطلع التسعينيات، لكنه يقول إن سوريا "لم تغادره يوماً". اليوم، يعود الرجل إلى المدينة التي ولد فيها، لا سائحاً ولا زائراً عابراً، بل حاملاً مشروعاً يسعى، بحسب ما يشير في حديث لـ"النهار"، إلى إعادة وصل أبناء الطائفة اليهودية السورية بوطنهم الأم، والمشاركة في إعادة بناء سوريا.
في المقابل، يجلس جده سيمون أبو حبيب الحلبي ليستعيد ذاكرة عمرها عشرات السنين، متحدثاً عن حارة اليهود وجيرانه ومحله التجاري في قلب دمشق، وعن يوم اضطر إلى مغادرة المدينة التي ظن أنه لن يراها مجدداً.
وبين ذاكرة الجد، وطموح الحفيد، تتشكل قصة يهود دمشق بعد أكثر من ثلاثين عاماً على هجرتهم.
من سوريا وإليها
يقول جوزيف جاجاتي إنه ولد في حي القيمرية داخل دمشق القديمة، قبل أن تغادر عائلته سوريا وهو لا يزال طفلاً. ويؤكد أن انتماءه لم يتغير رغم سنوات الاغتراب، ويضيف: "نحن يهود سوريون... وشوام (أي من الشام) قبل أي شيء.".

لهذا السبب، أسس مع مجموعة من السوريين في الولايات المتحدة منظمة "الموزاييك السورية"، وهي منظمة يؤكد أنها ليست مخصصة لليهود وحدهم، بل تهدف إلى جمع مختلف مكونات المجتمع السوري تحت فكرة واحدة.
ويشرح المزيد من التفاصيل: "أسسنا المنظمة حتى يكون لليهود السوريين دور في إعادة بناء سوريا، وليشاركوا مع جميع أطياف المجتمع السوري. نحن لا نرى أنفسنا خارج هذا البلد". ويضيف: "إن المنظمة تعمل على دعم مشاريع ثقافية وتراثية، من بينها المساهمة في ترميم المقبرة اليهودية في دمشق، ورعاية فعاليات ثقافية، والمشاركة في مبادرات لإحياء الإرث السوري".
وكانت المنظمة، بحسب جاجاتي، من الرعاة الداعمين لفعاليات المجلس التجاري السوري الأميركي، وأسهمت في دعم فعاليات ثقافية داخل دمشق، بينها أنشطة في دار الأوبرا والمساهمة في إعادة تأهيل مسرح الحمراء.
حي اليهود... حيث عاش الجميع معاً
بالنسبة لجوزيف، فإن أفضل وصف لحي اليهود في دمشق هو "الفسيفساء". فالحارة التي تعرف اليوم باسم حي الأمين، لم تكن - كما يقول - حكراً على اليهود، بل "كان فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون والدروز، الجميع يعيشون معاً، يأكلون معاً، ولم تكن هناك تفرقة". ويؤكد أن هذه الصورة ما تزال حاضرة في ذاكرة أبناء الطائفة اليهودية الذين يعيشون اليوم في الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية وأوروبا.
ويضيف مبتسماً: "حتى اليوم، ما زلنا نتابع باب الحارة وليالي شامية... ونطبخ الكبة والمحاشي والصفيحة".
الطائفة الموسوية... اسم ارتبط بتاريخ سوريا
عُرفت الجالية اليهودية في سوريا رسمياً باسم الطائفة الموسوية، وهي تسمية كانت تستخدم في الوثائق الرسمية السورية للإشارة إلى اليهود السوريين. ويعود الوجود اليهودي في دمشق إلى أكثر من ألفي عام، وكانت المدينة تضم عشرات الكنس، بينما اشتهر كنيس جوبر باعتباره من أقدم المعابد اليهودية في المنطقة، قبل أن يتعرض لدمار واسع خلال سنوات الحرب.
كما عاشت الجالية اليهودية قروناً داخل دمشق القديمة، وأسهمت في التجارة والصناعات والحرف، قبل أن تتقلص أعدادها تدريجياً بعد منتصف القرن الماضي.
"خرجنا لأننا خفنا"... رواية سيمون الحلبي
أما سيمون أبو حبيب الحلبي، فيروي القصة من زاوية مختلفة. يقول إنه عاش سنوات طويلة في دمشق وكان يمتلك محلاً تجارياً يحمل اسم "الحلبي"، قبل أن تغادر العائلة سوريا. ويقول: "كنا عايشين مبسوطين... لكن مررنا بظروف صعبة جداً لا أحب حتى أن أتذكرها". ويضيف أنه عندما سُمح لليهود السوريين بالسفر، خشي كثيرون من عودة القيود، فقرر معظم أفراد الطائفة المغادرة دفعة واحدة.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن الحكومة السورية خففت قيود السفر عن اليهود عام 1992 بعد عقود من القيود المفروضة على تنقلهم، وهو ما دفع آلافاً منهم إلى مغادرة البلاد خلال فترة قصيرة، واستقر معظمهم في الولايات المتحدة
ويتابع سيمون: "خرجنا من آخر الناس... لكننا حملنا دمشق معنا الحنين الذي ورثه الأحفاد.
ويرى أن هذا الحنين هو ما دفع حفيده جوزيف إلى التفكير بإطلاق مبادرات لإعادة التواصل بين أبناء الجالية اليهودية السورية ووطنهم. ويضيف: "زرعت حب الشام في قلوبهم... واليوم هم يريدون أن يكون لهم دور فيها".
شمعدان أثري... ورسالة أكبر من قطعة تراث
وخلال اللقاء، استعرض جوزيف جاجاتي شمعداناً أثرياً وصل هدية إلى منظمة "الموزاييك". ويرى أن قيمة القطعة لا تكمن في عمرها فقط، بل فيما تمثله. "هذا دليل على أن الخير ما زال موجوداً... وأن السوريين قادرون على الحفاظ على تراث بعضهم".
ممتكات اليهود ... ملف ينتظر الحسم
ولا يخفي سيمون أن ملف الممتلكات يشغل عدداً من أبناء الجالية اليهودية. ويقول إن كثيراً من العائلات تحتفظ بوثائق ملكية وعقارات ورثتها عن أجدادها في دمشق القديمة، وإنهم يأملون في تسوية هذا الملف مستقبلاً بالطرق القانونية.
طقوس يهودية بقيت... رغم المسافات
ورغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً على مغادرتهم سوريا، ما تزال العادات الدينية حاضرة في حياة كثير من أبناء الطائفة. يشرح سيمون أن الشريعة اليهودية تمنع الجمع بين اللحوم ومنتجات الألبان في الوجبة الواحدة، ولذلك تخصص أواني ومغاسل منفصلة لكل منهما.
أما يوم السبت، فيبقى يوماً مخصصاً للعبادة والراحة، حيث يمتنع المتدينون عن إشعال النار أو القيام بالأعمال اليومية.
وقبل أن تنتهي المقابلة، يعود الحديث إلى دمشق. لا يتحدث سيمون عن السياسة، ولا يتحدث جوزيف عن الماضي بقدر ما يتحدث عن المستقبل. الأول يحتفظ بمفاتيح الذاكرة، والثاني يحاول فتح باب جديد. وبينهما، تبقى دمشق، بالنسبة إلى كثير من أبناء الطائفة الموسوية في المهجر، مدينة لم يغادروها تماماً، حتى وإن ابتعدوا عنها آلاف الكيلومترات.
نبض