التصعيد الناري يطيح بلقاء بن سلمان والزيدي... معادلة أمنية جديدة بين الرياض وبغداد
لم تندلع الحرب الشاملة في الشرق الأوسط بعد، لكن المؤشرات تشي بأن الحرب إذا وقعت فستكون واسعة النطاق وأعنف من كل ما سبقها، مع تزايد احتمالات انخراط الحوثيين والفصائل العراقية واستهداف دول خليجية، على رأسها السعودية، لتتحول المنطقة إلى ساحة معركة يرتفع فيها منسوب العنف ومعه أسعار الطاقة، دون ضمان نتائج.
التوتر بدأ بين السعودية والفصائل الموالية لإيران، شمالاً وجنوباً. فبعدما أعلن الحوثيون استهداف الملاحة البحرية السعودية، شنت فصائل عراقية هجمات على مواقع نفطية، ما استدعى رداً أميركياً – سعودياً طال الحشد الشعبي العراقي، وخلّف أضراراً بشرية ومادية كبيرة، وتهديدات من مجموعات مسلّحة مقرّبة من الحشد وإيران.
نقطة تحول سياسية
الضربات السعودية تشكّل محطة فاصلة، كونها التدخل العسكري العربي الأبرز منذ بدء الحرب. الكاتب والصحافي السعودي سلمان الشريدة يقول لـ"النهار" إن ما حصل "يمثل نقطة تحول في مسار العلاقة الأمنية" بين السعودية والعراق. فالمملكة تعاملت مع اعتداءات الفصائل المرتطبة بإيران بـ"أقصى درجات ضبط النفس"، وكانت تمنح الحكومة العراقية الفرص "للوفاء بتعهداتها بمنع استخدام الأراضي العراقية منصة للاعتداء على دول الجوار".
لكن السلطات العراقية لم تتمكن من منع هجمات الفصائل العراقية على الدول المحيطة، وبقي قرار السلم والحرب خارج إطار الحكومة. الشريدة يشير إلى أن البيانات الرسمية، ولجان التحقيق، والوعود السياسية "لم تعد كافية" عندما تتكرر الهجمات بالأسلوب نفسه ومن الجهات نفسها. فالدول تُقاس "بقدرتها على فرض سيادتها، وليس بإعلان النيات فقط"، وعندما تعجز الدولة عن منع جماعات مسلحة من تهديد دولة أخرى، فإنها تتحمل جزءاً من مسؤولية هذا التقصير، وفق الشريدة.

إلغاء لقاء بن سلمان - الزيدي
هذا التصعيد ترك تداعيات سياسية على المديين القصير والبعيد. أول تأثيرات التصعيد كان إلغاء اللقاء المقرر بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، مع العلم أن الاجتماع لو عقد لكان وجّه "رسائل قاسية" لإيران وحلفائها، لكن يبدو أن الزيدي يريد أن ينتهج سياسة وسطية بين السعودية وإيران، وفق ما يرى مراقبون.
تأجيل اللقاء بين بن سلمان والزيدي يحمل دلالة سياسية مهمة وفق الشريدة، مفادها أن العلاقات الإستراتيجية "لا يمكن أن تتقدم" بينما تستمر الفصائل في تقويض أسس الثقة بين البلدين. فلا يمكن الحديث عن شراكة اقتصادية أو تعاون سياسي "في الوقت الذي تُستخدم فيه الأراضي العراقية مراراً لاستهداف المملكة".
أفق العلاقة بين الرياض وبغداد
السؤال الأكبر الذي يطرح: ماذا بعد الضربات السعودية على مقار الحشد الشعبي؟ الشريدة يرى أن الكرة أصبحت في ملعب الحكومة العراقية، فإذا كانت بغداد جادة في بناء علاقة مستقرة مع الرياض، فعليها أن تترجم تعهداتها إلى "إجراءات عملية"، من خلال تثبيت احتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلم. أما استمرار الوضع الحالي، فلن ينعكس فقط على تلك الفصائل، بل ستكون له كلفة سياسية واقتصادية وأمنية على العراق نفسه، "لأن استقرار المنطقة يبدأ من احترام سيادة الدول ومنع أي جماعة خارجة عن القانون من جر المنطقة إلى تصعيد لا يخدم سوى الأجندات الخارجية".
ويخلص الشريدة إلى قراءة الضربات السعودية الأخيرة داخل العراق باعتبارها "عمليات ردع محدودة استهدفت مصادر التهديد"، ولم تكن موجهة ضد الدولة العراقية أو شعبها، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن "أمن المملكة خط أحمر"، وأن الصبر السعودي "لا ينبغي أن يُفسر على أنه تردد أو عجز، بل هو خيار سياسي مسؤول له حدود".
في المحصلة، فإن تصاعد التوتر بين السعودية والفصائل العراقية سينعكس على العلاقات الثنائية بين الرياض وبغداد من جهة، وسيفتح صفحة جديدة من التصعيد الإيراني على السعودية وما سيترك ذلك من تداعيات قد تكون مرتبطة بالمواجهة المقبلة في المنطقة، والتي إذا ما وقعت، فمن المرتقب أن تكون أعنف وأوسع جغرافياً.
نبض