بالفيديو - "زقاق الجن" و"مطرح ما ضيّع القرد ابنه"... أسماء حارات دمشق
مروة البرغش - دمشق
ليست أسماءً عابرة على لافتات الأزقة، بل صفحات من ذاكرة دمشق عاصمة سوريا. فمن حكايات الجن، إلى قصص القرد الذي أضاع ابنه، وصولاً إلى أصوات النساء التي خلدها وباء الكوليرا، تحولت أسماء الحارات الدمشقية إلى روايات شعبية ما زالت تتناقلها الأجيال، لتبقى المدينة شاهدة على تاريخها بلسان أهلها.
في دمشق القديمة، لا تكفي الخريطة لمعرفة الأزقة والحارات، فلكل اسم حكاية، ولكل حارة رواية يختلف الناس في تفاصيلها لكنهم يتفقون على أنها جزء من هوية المدينة. وعلى مر العقود، لم تأتِ أسماء الحارات من قرارات رسمية، بل ولدت من أحداث عاشها الناس، أو من أساطير تناقلوها، أو من مواقف تحولت مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الشعبية.
وخلال جولة لـ"النهار" في أحياء دمشق القديمة، استمعنا إلى روايات من أبناء المدينة، بعضها يلامس التاريخ، وبعضها يقترب من الأسطورة، لكنها جميعاً تكشف كيف استطاع الدمشقيون أن يحفظوا تاريخ مدينتهم في أسماء أماكنها.
"زقاق الجن"... عندما صنع الخوف اسماً
من أكثر الأسماء إثارة للفضول في دمشق، يبرز "زقاق الجن"، الذي ما إن يُذكر حتى تبدأ الروايات بالتزاحم.
ويقول أيمن عبد الفتاح لـ«النهار» إن التسمية ترتبط بروايتين متداولتين بين أهالي دمشق. الأولى تعود إلى زمن كانت فيه المنطقة عبارة عن بساتين كثيفة، وكان الناس يعتقدون أنها مسكونة بالأشباح والجن، لذلك كانوا يتجنبون المرور فيها، ولا سيما ليلاً، خوفاً مما قد يواجهونه، حتى أصبح المكان يعرف باسم "زقاق الجن".
أما الرواية الثانية، فتأخذ طابعاً طريفاً أكثر من كونها مخيفة. إذ يروي عبد الفتاح أن المنطقة اشتهرت لاحقاً بورش متخصصة في إصلاح السيارات، وكانت المركبات تدخل إليها بحالة مدمرة، ثم تخرج وكأنها جديدة بالكامل، ما دفع الناس إلى المزاح بالقول إن من أصلحها لا بد أنه «جنّي»، لترتبط الحارة بهذا الاسم الذي بقي متداولاً حتى اليوم.
ورغم اختلاف الروايتين، إلا أنهما تعكسان طبيعة الذاكرة الشعبية التي كثيراً ما تمزج الخيال بالواقع، لتصنع حكايات تعيش أكثر من أصحابها.
"مطرح ما ضيّع القرد ابنه"... زقاق تحوّل إلى مثل دمشقي
وإذا كان اسم "زقاق الجن" يثير الغموض، فإن "مطرح ما ضيّع القرد ابنه" يثير الابتسامة والاستغراب في آن واحد.

في منطقة السمانة، يروي خضر أسعد الديك لـ"النهار" أصل التسمية التي تعود، بحسب الرواية الشعبية، إلى قرد كان يسير مع ابنه بين الحارات الضيقة والمتشابكة، وقال له: "ابقَ خلفي"، لكن الابن ضاع وسط الأزقة، فأخذ القرد يبحث عنه في كل مكان، حتى أصبح الناس يضربون المثل بهذا المكان ويطلقون عليه اسم "مطرح ما ضيّع القرد ابنه".
ويؤكد الديك أن القصة، بصرف النظر عن دقتها التاريخية، تعكس طبيعة أحياء دمشق القديمة التي عُرفت بأزقتها المتشابكة، حيث كان الغريب قد يضل طريقه بسهولة.

ويضيف أن الحارات القديمة لم تكن مجرد بيوت متلاصقة، بل كانت عائلة واحدة، قائلاً: "زمان كان الجار يعرف جاره، والناس تدخل بيوت بعضها البعض بمحبة ومن دون مواعيد، أما اليوم فقد تغيّر الزمن، وكثرت الأبنية، لكن العلاقات الاجتماعية لم تعد كما كانت".
"الولاويل"... عندما خلدت المآسي اسم حارة
وفي حي الميدان، تقودنا الذاكرة الشعبية إلى واحدة من أكثر التسميات ارتباطاً بالحزن، وهي "حارة الولاويل" أو "حارة الزعاويط".
وخلال جولة "النهار"، روى أحد كبار السن من أبناء الحي أن المنطقة شهدت في إحدى الفترات ارتفاعاً كبيراً في عدد الوفيات، فكانت أصوات النساء ترتفع بالنواح على الآباء والأزواج والإخوة والأقارب، حتى أصبحت "الولولة" (أي الصراخ والبكاء) السمة الأبرز للمكان، ومن هنا جاءت تسمية الحارة.
ويضيف عدد من أهالي دمشق أن هذه الرواية ترتبط، وفق ما تناقلته الأجيال، بفترة انتشار وباء الكوليرا في المدينة، حين خلّف المرض أعداداً كبيرة من الضحايا، فاختلطت أسماء الأمكنة بذكريات الفقد، وبقيت شاهدة على واحدة من أصعب المراحل التي عاشتها دمشق.

ورغم أن الروايات الشعبية لا تُعدّ دائماً مراجع تاريخية موثقة، فإنها تعكس كيف احتفظ المجتمع بذاكرته، وكيف تحولت الأحداث الكبرى إلى أسماء بقيت تتردد حتى يومنا هذا.
ذاكرة مدينة... لا تحفظها الكتب وحدها
قد يختلف الدمشقيون في تفسير أسماء بعض الحارات، لكنهم يجمعون على أنها ليست مجرد تسميات، بل إرث تناقلته الأجيال، يحمل شيئاً من التاريخ، وشيئاً من الأسطورة، وكثيراً من روح المكان.
ففي مدينة يزيد عمرها على آلاف السنين، لا تُحفظ الذاكرة في الكتب والوثائق وحدها، بل أيضاً في أسماء الأزقة التي عبرها الناس، وفي القصص التي رواها الأجداد للأحفاد، حتى أصبحت جزءاً من هوية دمشق.
وهكذا، تبقى "زقاق الجن"، و"مطرح ما ضيّع القرد ابنه"، و"حارة الولاويل" أكثر من مجرد أسماء على خريطة المدينة؛ إنها شواهد على تاريخ صنعه الناس، وحفظته الذاكرة الشعبية، لتؤكد أن دمشق، مهما تبدلت الأزمنة، لا تزال تروي حكاياتها في كل زقاق وحارة.

نبض