تفجير مار إلياس في سوريا... 3 روايات رسمية وثغرات بلا أجوبة

المشرق-العربي 21-07-2026 | 15:34

تفجير مار إلياس في سوريا... 3 روايات رسمية وثغرات بلا أجوبة

بعد أكثر من عام على التفجير، لا تزال الرواية الرسمية عاجزة عن تحديد هوية انتحاري الكنيسة، وكشف هوية أبرز مدبري الهجوم، وتوضيح مصير معظم الموقوفين، أو تقديم تسلسل واحد للعملية التي قالت إنها أحبطتها في مقام السيدة زينب.
تفجير مار إلياس في سوريا... 3 روايات رسمية وثغرات بلا أجوبة
أشخاص وعناصر إنقاذ يتفقدون الأضرار في موقع الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، 22 حزيران/يونيو 2025. (أ ف ب)
Smaller Bigger

قدّمت وزارة الداخلية السورية، الأسبوع الماضي، فيلماً من 26 دقيقة قالت إنه يكشف تفاصيل تفجير كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة في دمشق، بعد أكثر من عام على الهجوم، وخمسة أشهر على نشر وزارة العدل اعترافات المتهمين وإعلان انتقال القضية إلى المحكمة الجنائية. وأضاف الفيلم معلومات عن اختيار الهدف والتخطيط وسلسلة القيادة، لكنه أبقى هوية المنفذ و"أبو هتون" ومصير معظم الموقوفين مجهولة، وقدّم في ما يتعلق بإحباط هجوم مقام السيدة زينب رواية ثالثة تختلف عن مؤتمر الداخلية الأول وتحقيق وزارة العدل.

وتوزعت الثغرات بين مصدر المنفذين، ومسار وصولهما إلى دمشق، وأدوار قادة الخلية، وهوية مهاجم الكنيسة، وجنسية الانتحاري الثاني، وطريقة إحباط العملية الثانية. كما تركت التحقيقات مواقع المنازل التي استخدمتها الخلية ومسار تحرك عناصرها بلا تحديد مكاني أو زمني يسمح بتركيب رواية واحدة للجريمة.

 

 

من الهول إلى دمشق... مسار الوصول غير مكتمل

ربط المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، في مؤتمر صحافي عقده بعد يومين من التفجير، وصول انتحاريين غير سوريين إلى دمشق بمخيم الهول والبادية، وقال إن عبد الإله الجميلي ساعدهما على الانتقال لتنفيذ هجومي الكنيسة ومقام السيدة زينب.

لكن حسن رستم، المعروف بـ"أبو وقاص" والمكلّف بالهجوم الثاني، قال في فيلم الداخلية إنه غادر مخيم الهول قبل سقوط النظام بقرار من والدته، وانتقل إلى البادية. ولم يحدد الفيلم مدة بقائه هناك أو كيفية انتقاله لاحقاً إلى الشبكة التي أرسلته إلى دمشق، ما أبقى المسافة الزمنية بين الخروج من المخيم والانضمام إلى العملية مجهولة.

وتبدّل أيضاً مكان تسلّم الرجلين. وقال الجميلي إن الاتفاق الأول كان على لقائهما في النبك، قبل أن يتغير الموعد في اليوم التالي إلى منطقة قرب حسياء، من دون شرح سبب التغيير. وعرض الفيلم مشهداً تمثيلياً لانتقالهما من سيارة إلى أخرى، لكنه لم يكشف هوية السائق الأول أو الجهة التي كلّفته أو مصيره بعد تسليمهما إلى الجميلي. في المقابل، اختصرت وكالة "سانا" الطريق بالقول إن الجميلي نقلهما من النبك إلى دمشق.

 

قادة الخلية... أدوار واضحة وهويات غائبة

 

وإلى جانب الثغرات في مسار وصول المنفذين، برزت أسئلة أخرى تتعلق بأدوار قادة الخلية، وهويات بعضهم، وآلية اتخاذ قرار تنفيذ الهجوم.

 

دور عبد الإله الجميلي

 

قدّم البابا الجميلي متزعم الخلية و"والي الصحراء" في تنظيم "داعش". لكن الاعتراف الذي عرضه الفيلم اقتصر على اتفاقه على تسلّم الرجلين وقيادة سيارة نقلهما، وقال إنه عرف لاحقاً أن أحدهما مكلف بمهمة في الكنيسة. ولم يوضح الفيلم كيف أدار الجميلي العملية أو شارك في تخطيطها، رغم تقديمه بوصفه قائد الخلية.

 

دور أبو هتون

 

أما "أبو هتون" العراقي، فجمع في الرواية الجديدة بين اختيار الهدف، والاستطلاع، ونقل المنفذين، والإشراف الميداني. فقد اختار الكنيسة بعد مشاهدة نعي على بابها تشير إلى وجود تعزية وازدحام داخلها، ثم رفع الهدف عبر خالد أبو عائشة العراقي، الأمير العسكري للجنوب، إلى والي العراق للحصول على الموافقة.

ورغم دوره المركزي، لم تكشف الداخلية اسم "أبو هتون" المدني أو صورته أو موقعه التنظيمي الدقيق، ولم توضح متى دخل إلى سوريا أو كيف ثبتت هويته العراقية. كما لم تقل صراحة إن السائق الذي أعلن البابا مقتله بعد التفجير هو "أبو هتون"، رغم أن رواية "أبو وقاص" ومواد وزارة العدل تجعل الرجلين، على الأرجح، شخصاً واحداً.

 

ثغرة في سلسلة الموافقة

فتح مسار الموافقة ثغرة تنظيمية أخرى. فقد قال نابغ القطميش في الفيلم، بعدما أعلنت الداخلية اعتقاله بصفة العسكري العام لولاية الشام، إن التنظيم أوقف "العمليات الاستشهادية" بعد كشف مجموعات كانت تعمل على استهداف الكنائس في نيسان/أبريل وأيار. لكن منفذ مار إلياس نفذ هجومه بعد أسابيع، إثر موافقة مرت عبر الأمير العسكري للجنوب إلى ولاية العراق، من دون أن يشرح الفيلم كيف تجاوزت العملية قرار الوقف، أو ما إذا كانت تتبع قيادة مختلفة عن قيادة ولاية الشام.

 

هوية المنفذ... أسئلة بلا إجابات

 

أبقى فيلم الداخلية أسئلة أساسية من دون إجابات، وفي مقدمتها هوية منفذ الكنيسة والتوقيت النهائي لتنفيذ الهجوم.

 

توقيت العملية

 

حددت الاعترافات موعداً أولياً لتفجير الكنيسة عند الخامسة عصراً، ولتفجير مقام السيدة زينب عند الثامنة مساءً. لكن شهادة عرضها فيلم الداخلية وضعت تفجير الكنيسة بعد السادسة مساءً، من دون تفسير سبب التأخير أو أثره في العملية الثانية، فيما قال البابا إن السائق الذي نقل منفذ الكنيسة كان مكلّفاً أيضاً بإيصال الانتحاري الثاني إلى المقام.

 

هوية مهاجم الكنيسة

 

بقي انتحاري الكنيسة معروفاً بكنية "أبو مجاهد"، رغم قول "أبو وقاص" إنه يعرفه منذ فترة طويلة. وتكتسب هويته أهمية إضافية لأن "سرايا أنصار السنة" تبنت الهجوم وسمّت منفذه محمد زين العابدين، المعروف بـ"أبو عثمان".

وقالت الداخلية إن الجماعة واجهة وهمية يستخدمها تنظيم "داعش"، لكنها لم توضح ما إذا كان "أبو مجاهد" و"أبو عثمان" شخصاً واحداً، أو كيف توصلت إلى هوية التنظيم المنفذ من دون كشف هوية الانتحاري.

 

 

هجوم السيدة زينب... ثلاث روايات لعملية واحدة

 

أما في ما يتعلق بالهجوم الثاني، فقد قدمت الجهات الرسمية ثلاث روايات مختلفة بشأن العملية التي قادت إلى إصابة "أبو وقاص" وكشف الخلية.

ففي المؤتمر الصحافي الأول، قال البابا إن الأجهزة الأمنية حددت موقع ناقل منفذ الكنيسة وتوجهت لتوقيفه، قبل أن تجد شخصاً آخر برفقته ويقع اشتباك قُتل فيه الناقل وأصيب الثاني. وأضاف أن القتيل هو سائق الدراجة الذي نقل منفذ الكنيسة، وكان بصدد إيصال الانتحاري الثاني إلى مقام السيدة زينب.

أما في اعتراف نشرته وزارة العدل في شباط/فبراير، فقال "أبو وقاص" إن الجميلي أبلغه، بحضور "أبو هتون"، بتأجيل مهمته يومين أو ثلاثة أو أربعة حتى يهدأ الوضع. لكن تقرير الوزارة أشار، بعد ثوانٍ، إلى أن الأمن أحبط العملية ومنعه من الوصول إلى المقام.

وفي فيلم الداخلية، قدم ضابط رواية ثالثة، فقال إن العملية تأجلت بسبب التطويق الأمني، بينما روى "أبو وقاص" أنه خرج مع "أبو هتون" في سيارة متجهين إلى "البيت الثاني"، وأنهما سارا نحو مئتي متر قبل مشاهدة عناصر الأمن واندلاع إطلاق النار.

ولم يحدد الفيلم موقع "البيت الأول" أو "البيت الثاني"، أو علاقة الانتقال بينهما بخطة استهداف المقام، أو كيف تعرّفت القوة إلى السيارة وركابها. وهكذا تحولت الدراجة إلى سيارة، والاتجاه إلى المقام إلى انتقال بين منزلين، والعملية المحبطة إلى مهمة مؤجلة.

 

الموقوفون... أسماء ناقصة ومصير مجهول

عرضت شاشة مؤتمر البابا خمسة أسماء، بينما قالت وكالة "سانا" إن الداخلية اعتقلت متزعم الخلية وخمسة آخرين، أي ستة موقوفين. ولم يظهر لاحقاً في مادتي وزارة العدل والداخلية من القائمة سوى الجميلي، من دون بيان مصير محمد حسين المهنا، ومصطفى محمد شيخ حمد، وكنان رمضان علي، ومحمود جمال خنيفس، الذي نفت عائلته ارتباطه بالقضية، أو كشف هوية الموقوف السادس.

وأعلنت وزارة العدل في شباط/فبراير تحريك الدعوى وإسناد التهم إلى المتهمين، وقالت إن الفصل في القضية أصبح من اختصاص المحكمة الجنائية. وبعد خمسة أشهر، نشرت الداخلية فيلمها من دون بيان ما وصلت إليه الدعوى، أو ما إذا كانت المحكمة قد بدأت النظر فيها، أو مصير المتهمين الذين أحيلوا إليها.

واعتمد الفيلم على مقاطع محررة من الاعترافات، وتعليقات ضباط، ومشاهد تمثيلية، من دون أن يعرض للرأي العام تسجيلات المراقبة، أو بيانات الاتصالات والمواقع، أو الأدلة المادية التي قالت الوزارة إن التحقيقات استندت إليها.

 

ثغرات بقيت... وأجوبة غابت

 

بعد أكثر من عام على التفجير، لا تزال الرواية الرسمية عاجزة عن تحديد هوية انتحاري الكنيسة، وكشف هوية أبرز مدبري الهجوم، وتوضيح مصير معظم الموقوفين، أو تقديم تسلسل واحد للعملية التي قالت إنها أحبطتها في مقام السيدة زينب.

وأضاف فيلم الداخلية أسماء جديدة، ورتباً تنظيمية، ومساراً للموافقة على تنفيذ الهجوم، لكنه لم يحسم التناقضات بين روايات الجهات الرسمية، سواء في طريقة إحباط العملية الثانية، أو وسيلة النقل المستخدمة، أو مسار تحرك المنفذين، أو هوية منفذ الكنيسة.

وبذلك، توسعت الرواية الرسمية، لكنها بقيت من دون إجابات حاسمة عن أبرز الأسئلة التي يثيرها التحقيق.

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/20/2026 5:40:00 AM
لا يزال لبنان يراهن على موقف أميركي ضاغط لانتزاع ورقة الانسحاب، في مواجهة الممانعة المتصاعدة والضغوط التي يمارسها "حزب الله"
النهار تتحقق 7/20/2026 11:50:00 AM
تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين غير مسبوقة. "أتوجه إلى السوريين وأقول لهم إن لبنان بلدكم الثاني، وسنعاملكم كأبناء هذا البلد"، يقول جوزف عون في الفيديو.
لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...
لبنان 7/21/2026 12:23:00 PM
أمانة جمارك جديدة يابوس، ضبطت 226 قنبلةً من نوع "RGC"، كانت مخبأة بإحكام ضمن مخابئ سرية داخل إحدى السيارات