مجلس الشعب السوري... بين اكتمال المؤسسات وحدود السلطة

المشرق-العربي 14-07-2026 | 15:00

مجلس الشعب السوري... بين اكتمال المؤسسات وحدود السلطة

أثار المشهد قراءتين متعارضتين. فرحّب به مؤيدون باعتباره خطوة نحو الاستقرار وتحريك عجلة الدولة، بينما رأى منتقدون أن اكتمال الشكل المؤسسي لا يعني بالضرورة استقلال المؤسسات.
مجلس الشعب السوري... بين اكتمال المؤسسات وحدود السلطة
مجلس الشعب خلال جلسته الأولى بعد سقوط نظام الأسد، في دمشق، 12 تموز/يوليو 2026. (الرئاسة السورية)
Smaller Bigger

حملت الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري أهمية تجاوزت انتخاب رئيس ونائبين وأمين للسر. فقد استكملت ركناً أساسياً في الهيكل المؤسسي للمرحلة الانتقالية بعد الرئاسة والحكومة والإعلان الدستوري، ومنحت دمشق فرصة لتقديم نفسها خارجياً بوصفها سلطة تنتقل تدريجاً من إدارة البلاد بقرارات تنفيذية إلى مؤسسات دستورية وتشريعية.

وأثار المشهد قراءتين متعارضتين. فرحّب به مؤيدون باعتباره خطوة نحو الاستقرار وتحريك عجلة الدولة، واحتفوا بغياب التصفيق والهتافات التي طبعت مجالس عهد بشار الأسد. في المقابل، رأى منتقدون أن اكتمال الشكل المؤسسي لا يعني بالضرورة استقلال المؤسسات، محذرين من إعادة إنتاج سلطة مركزية قد تحدّ من استقلال التشريع والحريات وعدالة التمثيل. ويتألف المجلس من 210 مقاعد، حضر الجلسة 206 أعضاء مع بقاء أربعة مقاعد شاغرة، فيما عيّن الرئيس أحمد الشرع ثلث الأعضاء. وتبرر السلطة هذه الصيغة بصعوبة إجراء انتخابات عامة بعد الحرب، بينما يعتبرها منتقدوها مدخلاً إلى نفوذ رئاسي واسع داخل المجلس.

 

مكسب خارجي واختبار للنصوص

 

حظي انعقاد المجلس بترحيب أممي وتركي بوصفه محطة في الانتقال السياسي وبناء المؤسسات في سوريا. غير أن الجلسة التي يُفترض أن تؤسس لسلطة تحمي النصوص الدستورية بدأت بإجراءات أثارت التباساً قانونياً. فقد تداول ناشطون قبل انعقادها تعليمات لإدارة الافتتاح، ثم افتتح رئيس اللجنة العليا للانتخابات محمد طه الأحمد الجلسة ودعا إلى أداء القسم الجماعي قبل تسليمها إلى رئيس السن، بينما تجعل المادة 39 من النظام الانتخابي دعوة الأعضاء إلى القسم من اختصاص رئيس السن.

واستخدم الأعضاء صيغة القسم المختصرة الواردة في الإعلان الدستوري، لا الصيغة الموسعة المنصوص عليها في النظام الانتخابي، التي تتضمّن احترام الدستور والقانون والحفاظ على وحدة البلاد. والقسم الجماعي ليس محظوراً صراحة، لكنه لا يتيح التحقق علناً من أداء كل عضو اليمين التي تبدأ بها صفته وحصانته. كذلك حضر الشرع وألقى كلمته في الجلسة الأولى، فيما تنص المادة 40 على أن يدعوه الرئيس المنتخب إلى الجلسة الثانية. ولا تثبت هذه الوقائع تعمّداً لخرق القانون، لكنها تكشف إدارة انتقائية لنصوص كان يُفترض أن تمنح المجلس ولادته المستقلة.

 

الرئيس السوري أحمد الشرع يلقي كلمة أمام مجلس الشعب خلال الجلسة البرلمانية الأولى بعد سقوط نظام الأسد، في دمشق، 12 تموز/يوليو 2026. (الرئاسة السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يلقي كلمة أمام مجلس الشعب خلال الجلسة البرلمانية الأولى بعد سقوط نظام الأسد، في دمشق، 12 تموز/يوليو 2026. (الرئاسة السورية)

 

 

 

منافسة داخل دائرة السلطة

 

ظهر انتخاب رئيس المجلس في صورة منافسة بين ثلاثة مرشحين، فنال عبد الحميد العواك 99 صوتاً، ومؤيد القبلاوي 75، ومحمد رامز كورج 31. غير أن العواك والقبلاوي، اللذين حصدا غالبية الأصوات، كانا من بين الأعضاء السبعين الذين عيّنهم الشرع. وترأس العواك لجنة صياغة الإعلان الدستوري ويُحسب على السلطة، فيما عُرف القبلاوي بقربه منها ودفاعه الإعلامي عن سياساتها. لذلك دارت المنافسة الأساسية بين شخصيتين من الدائرة نفسها، أكثر مما كانت بين السلطة ومرشح مستقل.

وتقاطعت تسريبات نشرها جانبلات شكاي ومحمد سبسبي قبل الجلسة حيال اجتماعات وضغوط لسحب مرشحين والتوصل إلى قائمة توافقية لهيئة المكتب. ونقل سبسبي عن مصادره أن "هواتف الأعضاء سُحبت خلال اجتماع مع الشرع"، وأن الرئيس "انتقد التكتلات والمناطقية وطرح قائمة أسماء للاختيار منها".

 

ولا يتوافر تأكيد مستقل لجميع هذه التفاصيل، إلا أن انسحاب مرشحين، وتأجيل الجلسة، ومحاولات بناء توافق مسبق، تمنح الاتجاه العام لهذه الروايات قدراً من المصداقية. وتبرر أوساط قريبة من السلطة هذا التدخل بالرغبة في منع المحاصصة والاستقطاب، فيما يرى منتقدون أن التكتلات وسيلة طبيعية لتنظيم العمل داخل أي برلمان.

 

تمثيل يثير الأسئلة

 

خرجت حلب، صاحبة أكبر كتلة في المجلس بـ46 عضواً، من هيئة المكتب بعد انسحاب عزام خانجي ومحمد ياسين وبقاء كورج في السباق. ووُجهت لخانجي اتهامات بارتباط ترشيحه بقرار تنظيمي لدى جماعة الإخوان المسلمين، من دون دليل واضح يثبت ذلك. أما الجماعة نفسها فرحبت بانعقاد المجلس، ودعت إلى دستور دائم وقانون أحزاب وانتخابات تعددية، من دون أن تتبنّى مرشحاً أو تعترض على النتائج.

وغابت مدينة دمشق عن هيئة المكتب، بينما مثل مؤيد حبيب مدينة داريا في موقع أمين السر، وهو أقل مناصبها وزناً. والعواك من الحسكة، في المنطقة الشرقية الممثلة أصلاً في مواقع عليا، أما منافسه القبلاوي فمن درعا التي لم تحصل على منصب سيادي بارز رغم رمزيتها في الثورة. وذهب منصب النائب الأول إلى مصطفى موسى، الرئيس السابق لمجلس الشورى العام في إدلب، فيما أضاف انتخاب الأكاديمية المسيحية مادونا بشارة نائباً ثانياً تمثيلاً نسائياً ومسيحياً.

وأعاد خلو هيئة المكتب من عضو كردي إلى الواجهة انتقادات كانت 24 حزباً كردياً قد وجهتها إلى آلية تشكيل المجلس، معتبرة أن تمثيل الكرد اقتصر على أربعة مقاعد. وتزداد أهمية هذه الملاحظة مع استمرار تنفيذ اتفاق دمشق و"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد)، الذي يحظى بمواكبة دولية، ومع تشديد مداخلات في مجلس الأمن على دمج الممثلين الكرد في مؤسسات الدولة. فإذا بقي تمثيل مكوّن يمتلك ثقلاً سياسياً وتنظيمياً، ويحظى مسار إدماجه بمتابعة دولية، دون حضوره في قيادة المجلس، تصبح ضمانات الفئات والمناطق الأقل نفوذاً أكثر غموضاً.

ولا تستدعي هذه الاختلالات محاصصة إثنية أو طائفية، لكنها تكشف غياب معايير معلنة لقياس التمثيل وفق الأوزان السكانية والجغرافية والسياسية. فقد حققت الجلسة للسلطة مكسباً مؤسسياً وفتحت ساحة للمنافسة، إلا أن حدودها رُسمت إلى حد كبير قبل فتح صناديق الاقتراع. وغياب التصفيق يصنع قطيعة رمزية مع الماضي، أما القطيعة السياسية فتبدأ عندما يصبح الاختلاف والتكتل والرقابة حقوقاً لا شبهات.

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 7/13/2026 10:10:00 PM
اتهم الحوثيون السعودية في وقت سابق بقصف مدرج مطار صنعاء الذي يسيطرون عليه.
نقلت شبكة "سي آن آن" عن الدكتور جوناثان راينر، أن "القلب ينقل الدم إلى الجسم عبر شريان كبير جداً يُسمى الشريان الأورطي"
لبنان 7/13/2026 4:21:00 PM
بيّنت التحقيقات الأولية أنه تدرّج في عدد من المناصب القيادية ضمن التنظيم، إلى أن تولّى منصب الأمير الأمني العام لما يُسمّى بـ"ولاية الجنوب" و"ولاية الوسط" في سوريا
أسرار الآلهة 7/13/2026 5:57:00 AM
أسرار الآلهة