بالفيديو - من مخلفات حرب إلى تحف فنية... قصة عكازة مصنوعة من الرصاص
مروة البرغش – دمشق
في باب الجابية بدمشق، حيث تختلط رائحة النحاس بعبق التاريخ، تقف قطع لا تشبه غيرها. للوهلة الأولى تبدو قذائف وذخائر قديمة، لكنها سرعان ما تكشف عن وجه آخر؛ وجه يحمل الزخرفة والضوء والحكاية. لم تنتهِ رحلة المخلفات العسكرية عند لحظة انتهاء الحرب، بل بدأت حياة جديدة بين أيدي حرفيين اختاروا أن يحولوا أدوات ارتبطت يوماً بالدمار إلى تحف تروي قدرة الإنسان على صناعة الجمال من قلب الألم.
يقول صاحب محل البشائر باسل البقبوق لـ"النهار" إن الفكرة الأساسية وراء تحويل مخلفات الحروب إلى أعمال فنية لا تقوم على الاحتفاظ بصورة الألم، بل على تغيير معناها؛ فهذه القطع التي ارتبطت بالخوف والدمار يمكن أن تتحول إلى رسائل تحمل السلام والجمال.
ويضيف أن الهدف هو أن تبقى هذه الأعمال ذاكرة للأجيال القادمة، لا لاستحضار المأساة فقط، بل لتكون شاهدة على قدرة الإنسان على تحويل أصعب الظروف إلى شيء يحمل الحياة.
عكازة من طلقات رشاش
بين القطع التي يحتفظ بها البقبوق، عكازة تحمل حكاية مختلفة عن باقي المقتنيات. فهي لم تُصنع من الخشب أو المعدن التقليدي، بل من طلقات رشاش فارغة أعاد صاحبها تحويلها إلى قطعة تحمل معنى يتجاوز وظيفتها.
ويروي أن أحد ثوار الغوطة صنع هذه العكازة خلال فترة كان فيها مصاباً ومحاصراً، مستخدماً بقايا الطلقات الفارغة ليصنع منها وسيلة تساعده على الحركة، قبل أن يهديها لاحقاً إلى صاحب محل البشائر.
لكن هذه العكازة، بحسب البقبوق، ليست قطعة للبيع مهما بلغ ثمنها، لأنها تحمل قصةً إنسانية وقيمة معنوية لا يمكن تقديرها بالمال.

ويقول: "لن تبقى ذكرى للحصار أو القصف أو الألم فحسب، بل ستبقى ذكرى لانتصار الإنسان وقدرته على صناعة الأمل. أحياناً يستطيع الإنسان أن يحول ألمه إلى قوة، وأن يجعل من المعاناة بداية لشيء جديد".
من الحرب العالمية إلى فانوس دمشقي
لا تعود فكرة تحويل مخلفات الحرب إلى تحف إلى السنوات الأخيرة فقط. فبحسب رواية البقبوق، بدأت الحكاية داخل العائلة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويقول إن أحد أجداده رأى في إحدى القذائف أكثر من مجرد قطعة نحاسية قابلة للصهر، فاختار أن يمنحها حياة جديدة، وحولها إلى فانوس دمشقي مرصّع بالفضة توضع بداخله شمعة.

هكذا خرج الفانوس من رحم الحرب، وتحولت قطعة ارتبطت بالدمار إلى مصدرٍ للنور. وبقيت هذه القطعة محفوظة حتى اليوم، شاهدة على فكرة أرادت العائلة الحفاظ عليها: أن الإنسان قد لا يستطيع منع الحروب دائماً، لكنه يستطيع أن يختار ماذا يفعل بآثارها. ومع مرور السنوات، تطورت الفكرة لتصبح القذائف قطعاً فنية مضاءة ومنقوشة، تحمل تفاصيل دمشقية ورسائل مرتبطة بالسلام والجمال.
قذائف تحمل آيات وزخارف
تزيّن الآيات القرآنية هذه القطع، كما يوضح البقبوق، والنقوش تشمل زخارف متنوعة، رسمات نباتية وهندسية، وخطوطاً عربية تعكس هوية الحرفة النحاسية الدمشقية.

ويشير إلى أن بعض هذه القطع وصل إلى كنائس في دمشق، حيث اختار أصحابها تحويل بعض المخلفات الحربية إلى شمعدانات نحاسية، حمل بعضها رمزاً يجمع بين الهلال والصليب.
ويقول إن هذا التصميم جاء ليعبر عن حالة التعايش الديني التي عرفتها سوريا، وليؤكد أن القطعة التي خرجت من الحرب يمكن أن تحمل في نهايتها رسالة محبة ووحدة.
جرة عثمانية عمرها 250 عاماً
ولا تقتصر الحكايات على الذخائر المحولة إلى تحف، فبين مقتنياته جرة عثمانية يقول إن عمرها لا يقل عن 250 عاماً. ويروي أن الجرة كانت مخصصة لحفظ الذهب، وأن من عثر عليها أخذ ما بداخلها بعد كسرها، لكن قيمتها الحقيقية اليوم لا تكمن في الذهب الذي احتوته، بل في صناعتها وتاريخها.
"لا نريد إذابة الذاكرة"
يرى البقبوق أن الخطر الأكبر يكمن في اختفاء قصة مخلفات الحرب. فكثيرون من العاملين في النحاس كانوا يتعاملون مع القذائف القديمة باعتبارها مصدراً للنحاس فقط، إذ يصل وزن بعضها إلى عشرة أو اثني عشر كيلوغراماً، فتُذاب في البوتقة وتتحول إلى أدوات منزلية، لكن صهرها يعني اختفاء تاريخها.
ويقول: "هذه القذيفة قد تكون تسببت بألمٍ لأشخاص، وقد تكون مرتبطة بقصص فقدٍ وتهجير، نحن لا نريد الاحتفاظ بالألم، لكن نريد أن تعرف الأجيال ما حدث. لذلك نحولها إلى شيء يعبر عن دمشق، ويظهر جمال حرفة النحاس الدمشقي".

ويؤكد أن مثل هذه القطع يجب ألاّ تكون خارج المتاحف السورية، لأنها تحمل جزءاً من ذاكرة المكان وتراثه.
كما يحتفظ المحل بأعمال نحاسية كبيرة، بينها دلّة قهوة عملاقة، يقول البقبوق إنها من الممكن أن تدخل موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية، لتصبح مثالاً على قدرة الحرفي الدمشقي على صناعة قطعٍ استثنائية تجمع بين الحرفة والدقة والحجم.
في دمشق، لا تختفي آثار الحروب، لكنها تتغير. القذيفة تصبح فانوساً، والطلقة تصبح عكازة، والنحاس يتحول إلى لغةٍ تحكي عن المكان وأهله. فالحكاية هنا ليست عن معدنٍ فقط، بل عن إنسان اختار أن يعيد تعريف الأشياء؛ أن يأخذ ما ارتبط يوماً بالخوف، ويمنحه معنى جديداً يشبه الضوء.
نبض