بالفيديو - نوستالجيا تاريخية: حرف دمشق القديمة... بين القمرجي والكمرجي

المشرق-العربي 13-07-2026 | 11:51

بالفيديو - نوستالجيا تاريخية: حرف دمشق القديمة... بين القمرجي والكمرجي

من الزجاج المعشّق إلى الكمرجي والنحاس والزجاج المنفوخ والأزياء الشعبية... حرف دمشقية تقاوم الاندثار وتحمل ذاكرة مدينة كاملة.
بالفيديو - نوستالجيا تاريخية: حرف دمشق القديمة... بين القمرجي والكمرجي
قصر العظم في سوريا.
Smaller Bigger

مروة البرغش – دمشق - سوريا

الحرف الشامية القديمة ليست مجرد مهن يدوية، بل صفحات حيّة من تاريخ دمشق. فكل قطعة زجاج معشّق، وكل زنار صوفي، وكل ضربة مطرقة على النحاس، تحمل حكاية عمرها مئات أو آلاف السنين. وبينما تتسارع مظاهر الحداثة، لا يزال حرفيون سوريون يتمسكون بمهن ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، مؤمنين بأن اندثار الحرفة يعني ضياع جزء من هوية المدينة وذاكرتها.

 

 

في هذا السياق، تم تنظيم فعالية في قصر العظم في دمشق جرى خلالها عرض حرف قديمة.

 

القمرجي... حين يتحول ضوء القمر إلى رومانسية تملأ البيوت

 

في معظم أنحاء العالم العربي، تحمل كلمة "القمرجي" دلالة سلبية ترتبط بألعاب الميسر والمقامرة، أما في دمشق، فالحكاية مختلفة تماماً. هنا، القمرجي هو الحرفي الذي يملأ البيوت بالنور والألوان، فيحوّل أشعة الشمس نهاراً وضوء القمر ليلاً إلى لوحات زجاجية تبعث السكينة والجمال.

 

زجاج ملوّن.
زجاج ملوّن.

 

يقول الحرفي فائز تلمساني لـ"النهار" إن هذه المهنة تُعد من أقدم الحرف الدمشقية، ويعود تاريخها إلى نحو ثلاثة آلاف عام، وكانت دمشق أول مدينة اشتهرت بها. وأوضح أن الحرفة بدأت باستخدام حجر الكوارتز المثبت داخل قوالب الجبس، وكان يُطلق عليها اسم "القمرية" لأنها تسمح بدخول ضوء القمر إلى المنازل، قبل أن يكتشف الفينيقيون الزجاج ويستبدلوا حجر الكوارتز به، فتظهر تسمية "الزجاج المعشق"، في إشارة إلى الترابط بين الجبس والزجاج. وأضاف أن هذه الصناعة تتميز بخصوصية دمشقية نادرة، إذ يكون وجه القطعة مطابقاً تماماً لظهرها، وهو سرّ لا يزال يميز الحرفة حتى اليوم.

 

الكمرجي... أول حرفة عرفتها البشرية وزنار يحفظ الجسد والتراث

 

وإذا كان القمرجي ينسج علاقة استثنائية بين الضوء واللون، فإن حرفة أخرى لا تقل قدماً تروي قصة الإنسان الأولى مع الخيط والنسيج، وهي مهنة الكمرجي التي ما زالت تحتفظ بمكانتها في الذاكرة الشعبية السورية.

يشرح الحرفي محمد السيروان لـ"النهار" ماهية مهنة الكمرجي، ووفق الموروث التاريخي، يُعد أول صناعة يدوية عرفها الإنسان، موضحاً أن الإنسان بدأ أولاً بالتستر بأوراق الشجر، ثم جاء النبي إدريس فشبك خيوط الحرير ونسج منها اللباس، لتنطلق بعدها رحلة الحياكة.

 

قماش صناعة يدوية.
قماش صناعة يدوية.

ويشير إلى أن الزنانير الصوفية كانت جزءاً أساسياً من اللباس التقليدي، إذ كان الرجال يربطون بها الشروال أو الجلابية، مشيراً إلى أن كثيرين يؤمنون بأنها تساعد على تخفيف آلام الظهر والانزلاق الغضروفي، كما تساهم في تفريغ الشحنات الكهربائية الساكنة من الجسم. ويشرح أن المهنة تطورت لاحقاً لتشمل صناعة مستلزمات الخيل العربي والفروسية، مؤكداً أنه ورثها عن والده، ومطالباً بإنشاء معاهد متخصصة لتعليم الحرف التقليدية قبل أن تندثر مع رحيل أصحابها.

 

النحاس الدمشقي... كل ضربة مطرقة تحفر حكاية من حكايات الشام

 

ومن الخيوط التي نسجت لباس الإنسان، إلى المطرقة التي تنقش ذاكرة مدينة كاملة، تنتقل الحكاية إلى واحدة من أشهر الحرف الدمشقية، حيث يتحول النحاس إلى لوحات فنية تنبض بتاريخ الشام.

 

النحاس.
النحاس.

يقول أحد حرفيي النقش على النحاس لـ"النهار" إن هذه المهنة تحتاج إلى صبر وجهد ودقة كبيرة، وقد تستغرق القطعة الواحدة ساعات طويلة من العمل. وأضاف أن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في صناعة النحاس، بل في تسويق المنتجات، لافتاً إلى أن هذه الحرفة تحتاج إلى تنشيط الحركة السياحية والاستثمارية لتستعيد مكانتها، مؤكداً أنها مهنة توارثتها العائلات الدمشقية جيلاً بعد جيل.

 

من النار إلى النور... الزجاج الدمشقي يولد بنفخة حرفي

 

وإذا كانت المطرقة تكتب تاريخها على النحاس، فإن النار هي التي تمنح الزجاج حياته الثانية. ففي ورش الزجاج المنفوخ، تتحول الكتلة المنصهرة إلى تحفة فنية لا تصنعها الآلات، بل أنفاس الحرفيين.

يقول الحرفي محمود الحلاق لـ"النهار" إن الفرن الذي يُستخدم في صناعة الزجاج المنفوخ يُبنى بأيدي الحرفيين، كما تُصنع أدوات العمل يدوياً. وبعد انصهار الزجاج داخل الفرن، يُسحب بقضيب معدني، ثم يبدأ الحرفي بالنفخ فيه حتى يأخذ الشكل المطلوب.

أدوات زجاجية ملونة.
أدوات زجاجية ملونة.

 

وأشار إلى أن الفينيقيين كانوا أول من اكتشف صناعة الزجاج، بينما كان الدمشقيون أول من أتقنوا فن نفخه قبل نحو ألفي عام، مؤكداً أن ورشتهم تضم المعمل الوحيد في سوريا الذي لا يزال ينتج الزجاج المنفوخ يدوياً. وأضاف أن حرارة النار أصبحت جزءاً من حياتهم، لأن المهنة بالنسبة إليهم ليست مجرد مصدر رزق، بل هوية وتراث يسعون إلى الحفاظ عليه.

 

"الغربة بتضيّع الأصول"... والأزياء الشعبية تحفظ هوية السوريين

 

ولا تكتمل ملامح التراث الدمشقي عند حدود الحرف اليدوية، فالأزياء الشعبية بدورها تحمل ذاكرة المكان، وتروي من خلال ألوانها وتفاصيلها حكاية الإنسان السوري وهويته الممتدة عبر الأجيال.

يشير المختص بالأزياء الشعبية السورية محمد سليم المظلوم لـ"النهار" إلى أن الإقبال على الأزياء التراثية عاد ليرتفع خلال السنوات الأخيرة، معتبراً ذلك مؤشراً على تمسك السوريين بتراثهم.

ويضيف أن لكل منطقة في سوريا زيّها الشعبي الخاص الذي يمكن التعرف إليه من خلال تفاصيل الشروال والأقمشة والزخارف، مؤكداً أن هذه الأزياء ليست مجرد ملابس، بل هوية ثقافية يجب الحفاظ عليها كما هي، من دون تغيير أو تطوير يطمس ملامحها الأصيلة. ويستشهد بالمثل الشعبي: "الغربة بتضيّع الأصول"، معتبراً أن الأزياء الشعبية تبقى خير شاهد على هوية الإنسان وانتمائه.

أزياء شعبية.
أزياء شعبية.

 

 

قد تختلف أدوات هذه الحرف بين الجبس والزجاج، والخيط والصوف، والنحاس والنار، لكنها تجتمع عند هدف واحد؛ الحفاظ على ذاكرة دمشق. وبينما يطالب الحرفيون بإنشاء معاهد متخصصة تضمن انتقال هذه المهن إلى الأجيال الجديدة، يبقى الخوف الأكبر أن تغيب هذه الأيدي الماهرة، فتغيب معها مهنٌ شكّلت على مدى قرون جزءاً من هوية المدينة وروحها. فالحرف التقليدية ليست مجرد مصدر رزق، بل ذاكرة حيّة، وإذا اندثرت آخر ورشة، لن تخسر دمشق مهنة فحسب، بل ستفقد صفحة كاملة من تاريخها.

 

 

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 7/9/2026 11:38:00 AM
حملت الصورة أجواء عائلية دافئة عكست لحظة خاصة من حياة العائلة الهاشمية...
فن ومشاهير 7/9/2026 1:17:00 PM
أعلن الفنان ماجد المصري عن خضوعه لعملية جراحية عاجلة إثر إصابته بنزيف وقطع في شبكية العين عقب حضوره مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026.
فن ومشاهير 7/11/2026 10:40:00 AM
علّقت مي عمر على تعليقات الكثير من الفتيات اللواتي يعتبرنها محظوظة بزوجها محمد سامي.
موضة وجمال 7/11/2026 3:43:00 PM

لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته