الزيدي يرفض "الخطوط الحمراء"... ومكافحة الفساد تتوسّع
تزداد الضغوط السياسية على رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع تمسك حكومته بتوسيع حملة مكافحة الفساد وفتح ملفات تطال شخصيات سياسية ومسؤولين حاليين وسابقين، في خطوة تعكس إصراره على تطبيق القانون من دون استثناءات، رغم اعتراض قوى نافذة تخشى انعكاسات هذه الإجراءات على توازنات المشهد السياسي.
وتكشف مصادر سياسية مطلعة لـ"النهار" أن التحركات الحكومية الأخيرة، التي شملت ملاحقة واعتقال شخصيات سياسية ومسؤولين حاليين وسابقين على ذمة قضايا فساد، لم تلق ترحيباً لدى بعض الأطراف المتنفذة، التي ترى أن اتساع نطاق الحملة قد يترك انعكاسات سياسية وتنظيمية على القوى المشاركة في المشهد السياسي.
خلافات داخل الإطار التنسيقي
وتضيف المصادر أن الاجتماع الأخير الذي جمع رئيس الوزراء بقيادات بارزة في "الإطار التنسيقي" شهد نقاشات حادة بشأن مسار حملة مكافحة الفساد، إذ طلبت بعض القيادات من الزيدي عدم تجاوز ما وصفته بـ"الخطوط الحمراء" عند ملاحقة شخصيات تتمتع بغطاء سياسي أو نفوذ حزبي، والاكتفاء بمتابعة قضايا تتعلق بموظفين أو مسؤولين لا يحظون بحماية سياسية، تجنباً لما اعتبرته تلك الأطراف تداعيات قد تمسّ تماسك القوى السياسية وصورتها أمام الرأي العام.
وتؤكد المصادر أن رئيس الوزراء "رفض تلك الطروحات رفضاً قاطعاً"، مؤكداً أن حكومته لن تعتمد أي استثناءات في تطبيق القانون، وأنه لا يعترف بوجود خطوط حمراء تحول دون ملاحقة أي شخص تتوافر بحقه شبهات فساد، بصرف النظر عن موقعه السياسي أو التنفيذي أو حجم نفوذه، مشدداً على أن نجاح الدولة في استعادة ثقة المواطنين يبدأ من فرض سيادة القانون على الجميع.
وتجزم المصادر بأن هذا الموقف "أدى إلى فتور واضح في العلاقة بين رئيس الوزراء وبعض القيادات السياسية داخل الإطار التنسيقي، فضلاً عن أطراف أخرى من خارجه، في مؤشر قد ينذر بمرحلة جديدة من الخلافات السياسية خلال الأشهر الأولى من عمر الحكومة، وقد تنعكس على مستوى التنسيق اللازم لتنفيذ الخطة الحكومية وإقرار التشريعات والإصلاحات التي تعهدت بها الحكومة".

تحدّيات أمام الحكومة
وتأتي هذه التطورات عقب سلسلة من الإجراءات الحكومية التي طالت نواباً حاليين وسابقين، ومسؤولين حكوميين بارزين، وشخصيات سياسية نافذة، ضمن ملفات فساد كبيرة لا تزال قيد التحقيق أمام الجهات المختصة، الأمر الذي أعاد ملف مكافحة الفساد إلى واجهة المشهد السياسي، وأثار تساؤلات بشأن قدرة الحكومة العراقية على مواصلة هذا المسار وسط تعقيدات التوازنات السياسية، ومدى استعداد القوى النافذة للقبول بحملة لا تستثني أحداً من المساءلة القانونية.
من جهته، يقول عضو مجلس النواب العراقي السابق جواد اليساري لـ"النهار" إن نجاح الحكومة في مواصلة حملة مكافحة الفساد يمثل اليوم "اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على فرض سيادة القانون"، وإن أي تراجع عن هذا المسار "سيبعث برسائل سلبية إلى الشارع العراقي وإلى المجتمع الدولي بشأن جدية الإصلاحات" التي تعهدت بها الحكومة.
ويوضح أن ملف مكافحة الفساد "أصبح قضية تحظى باهتمام واسع من الرأي العام العراقي، كما يحظى بمتابعة شركاء العراق الدوليين الذين يراقبون مؤشرات الإصلاح وتعزيز الحوكمة وحماية المال العام وتحسين بيئة الاستثمار".
ويضيف اليساري أن استمرار الإجراءات القانونية بحق المتهمين، بغض النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم السياسية، "من شأنه أن يعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة"، مؤكداً أن القانون "يطبق على الجميع دون استثناء"، فيما سيؤدي أي تراجع أو انتقائية في تطبيق القانون إلى "تقويض الثقة الشعبية، ومنح شبكات الفساد فرصة لإعادة ترتيب نفوذها داخل مؤسسات الدولة".
ويؤكد أن مواجهة الفساد تفرض كلفاً سياسية لأنها تمس مصالح ونفوذ أطراف اعتادت استغلال مؤسسات الدولة، إلا أن نجاح أي حكومة يقاس بقدرتها على الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات رغم الضغوط، لا بالتراجع عنها عند أول اختبار سياسي.
ويشدد النائب العراقي السابق على "ضرورة توفير الغطاء السياسي والمؤسسي للحكومة والأجهزة الرقابية والقضائية، وترك مسار التحقيقات والإجراءات القانونية بعيداً من الضغوط أو التدخلات، لأن مكافحة الفساد مسؤولية وطنية مشتركة، وأي محاولة لعرقلة هذا المسار ستكون لها انعكاسات مباشرة على الاستقرار السياسي والاقتصادي، كما ستؤثر في ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وفي صورة العراق أمام المجتمع الدولي".
نبض