حملة واسعة ضدّ الفساد في العراق... اعتقال مسؤولين ونواب بملفّات كبرى
شهدت بغداد، فجر اليوم الأحد، انطلاق واحدة من أكبر العمليات الأمنية والقضائية لملاحقة المتهمين بقضايا الفساد منذ سنوات، في خطوة تعكس تصعيداً لافتاً في جهود الدولة لمحاسبة شخصيات سياسية وحكومية بارزة متهمة بالتورط في ملفات فساد مالي وإداري. وجاءت العملية التي نُفذت بإشراف قضائي مباشر، بعد صدور أوامر قبض بحق عدد من المطلوبين، استناداً إلى اعترافات وأدلة جمعتها الجهات المختصة، ما دفع السلطات إلى تنفيذ مداهمات متزامنة في مناطق متفرقة من العاصمة.

مداهمات متزامنة في بغداد
وبحسب ما تكشف مصادر عراقية مطلعة لـ"النهار"، فإن الخطة الأمنية "اعتمدت على انتشار مكثف لقوات جهاز مكافحة الإرهاب والقوات الخاصة التابعة لرئاسة الحكومة التي تولت تنفيذ عمليات اقتحام وتطويق لمنازل المطلوبين، مع فرض إجراءات أمنية مشددة في الأحياء المستهدفة لمنع أي محاولات للفرار أو إخفاء المطلوبين".
وتضيف المصادر أن "الحملة أسفرت عن اعتقال 47 شخصاً، بينهم نواب حاليون وسابقون، ووزراء سابقون، ووكلاء وزارات يشغل بعضهم مناصب حكومية حالية، إلى جانب شخصيات سياسية معروفة في المشهد العراقي. وفي المقابل، لم يُعثر على عدد من المطلوبين أثناء مداهمة منازلهم، فيما تواصل القوات الأمنية عمليات البحث والتفتيش في مناطق مختلفة من العاصمة وسط انتشار أمني لافت".
وتأتي هذه العملية في إطار حملة حكومية أوسع لمكافحة الفساد الذي يعد أحد أبرز التحديات التي تواجه العراق منذ عام 2003. وتشير تقارير صادرة عن هيئة النزاهة الاتحادية وديوان الرقابة المالية الاتحادي، فضلاً عن مؤشرات دولية، أبرزها الصادرة عن منظمة الشفافية الدولية، إلى أن الفساد استنزف مليارات الدولارات من المال العام، وأثر بصورة مباشرة في قطاعات الخدمات والاستثمار والتنمية، كما أدى إلى تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.
الساعة الواحدة والنصف من فجر اليوم الأحد 28/6/2026 وأنا عائد إلى منزلي تفاجأت باغلاق منافذ المنطقة الخضراء من العلاوي والجسر المعلق وكذلك اليرموك والحارثية
— محمدالسيدمحسن (@m_alsaidmohsin) June 28, 2026
أنباء عن رفع الحصانة عن عدد من النواب وإلقاء القبض على عدد من شخصيات الخط الثاني من العملية السياسية
الأنباء ما زالت غير… pic.twitter.com/nwVbZuZg7b
تعهدات حكومية بالمحاسبة
وتكتسب الحملة أهمية سياسية وقضائية خاصة، لأنها تأتي بعد تعهدات أعلنها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، بجعل مكافحة الفساد في صدارة أولويات حكومته، مؤكداً عدم التهاون مع أي متورط، بصرف النظر عن موقعه السياسي أو الإداري أو حجم نفوذه داخل مؤسسات الدولة.
وتستند هذه التعهدات إلى دعم سياسي داخلي متزايد، ومطالبات شعبية بمحاسبة المتورطين واسترداد الأموال العامة، إلى جانب تأييد دولي لجهود الإصلاح وتعزيز سيادة القانون، ولا سيما من الولايات المتحدة ودول أخرى تدعم برامج مكافحة الفساد وبناء المؤسسات في العراق.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الحملة لن يقاس بعدد الشخصيات التي يتم اعتقالها أو مستوى مناصبها فحسب، بل بقدرة السلطات على استكمال الإجراءات القضائية بشفافية واستقلالية، وضمان عدم خضوع الملفات لضغوط أو تسويات سياسية، بما يرسخ مبدأ أن مكافحة الفساد أصبحت مساراً مؤسسياً دائماً، وليست إجراءات ظرفية مرتبطة بظروف سياسية أو أمنية.
#يحدث_الان داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع حملة اعتقالات واسعة تطال عدد من السياسيين pic.twitter.com/giLTXU0rxp
— هشام علي :: husham ali (@husham_ali1) June 28, 2026
استعادة الثقة بالدولة
ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد علي الجبوري، في حديثه إلى "النهار"، إن "انطلاق الحملة الأمنية والقضائية الواسعة في بغداد يمثل منعطفاً مهماً في مسار استعادة هيبة الدولة وترسيخ مبدأ سيادة القانون، ونجاحها يتوقف على استكمال الإجراءات القضائية بحق جميع المتهمين دون استثناء أو تمييز".
ويضيف أن "تنفيذ أوامر القبض بحق شخصيات تشغل أو شغلت مناصب سياسية وتنفيذية رفيعة يبعث برسالة واضحة مفادها أن لا أحد فوق القانون، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على مبدأ المحاسبة بعيداً من الاعتبارات السياسية أو الضغوط الحزبية"، مشيراً إلى أن "ملفات الفساد الكبرى لم تعد تحتمل التأجيل، لما تسببت به من استنزاف للمال العام وإعاقة جهود التنمية والخدمات، الأمر الذي يجعل استمرار هذه الحملات ضرورة وطنية لاستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة".
ويؤكد الجبوري أن "على الجهات القضائية والأجهزة الأمنية مواصلة ملاحقة جميع المطلوبين وتنفيذ أوامر القبض الصادرة بحقهم، وأي تراجع أو انتقائية في تطبيق القانون قد يضعف ثقة الرأي العام بالإجراءات الحالية، فيما الاستمرار فيها سيؤسس لمرحلة جديدة عنوانها المساءلة والشفافية".
ويشدد على أن "مكافحة الفساد لا ينبغي أن تقتصر على تنفيذ الاعتقالات، بل يجب أن تمتد إلى استرداد الأموال المنهوبة، وتفكيك شبكات الفساد، ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفقاً للقانون، مع ضمان توفير محاكمات عادلة وشفافة تعزز استقلال القضاء وتكرّس مبدأ عدم الإفلات من العقاب".
نبض