العراق يشدّد المواجهة... المسيّرات تحت قانون الإرهاب
تتجه السلطات العراقية إلى تشديد المواجهة القانونية مع استخدام الطائرات المسيّرة خارج الأطر الرسمية، بعدما وجّه مجلس القضاء الأعلى المحاكم المختصة بتطبيق قانون مكافحة الإرهاب بحق كل من يصنع أو يستخدم أو يحوز هذه الطائرات لأغراض مخالفة للقانون. ويأتي القرار في إطار مساعي بغداد لحصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع تنامي استخدام المسيّرات في النزاعات الإقليمية والداخلية.
ويعكس التوجيه القضائي دعماً واضحاً للجهود الحكومية الرامية إلى فرض احتكار الدولة لاستخدام السلاح ومنع امتلاك أو تشغيل المنظومات العسكرية خارج المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية. كما يمنح الجهات الأمنية والقضائية غطاءً قانونياً أكثر صرامة لملاحقة الأنشطة المرتبطة بتصنيع الطائرات المسيّرة أو حيازتها أو تشغيلها بصورة غير مشروعة.
وتعد الطائرات المسيّرة من أكثر الوسائل التي أثارت مخاوف أمنية خلال السنوات الأخيرة، نظراً لقدرتها على تنفيذ عمليات بعيدة المدى واستهداف مواقع حساسة، فضلاً عن استخدامها في أعمال قد تهدد الأمن الداخلي أو تؤثر في علاقات العراق مع محيطه الإقليمي.
غطاء قانوني أكثر صرامة
ويرجح أن يسهم هذا التوجه في الحد من المخاطر المرتبطة بالأسلحة غير الخاضعة لسيطرة الدولة، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال الآونة الأخيرة، إذ برزت الطائرات المسيّرة كأداة مؤثرة في النزاعات والصراعات الإقليمية. ويتزامن ذلك مع حملة حكومية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الداخلي ومنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي أعمال قد تؤدي إلى توترات أمنية أو سياسية مع دول الجوار.
ويصف الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية سيف رعد، لـ"النهار"، توجيه مجلس القضاء الأعلى بأنه "خطوة حاسمة طال انتظارها لمعالجة واحدة من أخطر أدوات السلاح غير المنضبط في العراق".
وبرأيه، لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد وسيلة تقنية، وإنما تحوّلت إلى سلاح "قادر على تهديد الأمن الوطني وتعريض مصالح العراق وعلاقاته الخارجية لمخاطر كبيرة"، لذلك فإن إخضاع هذا الملف لأحكام قانون مكافحة الإرهاب يبعث برسالة واضحة بأن "الدولة لن تسمح بعد اليوم بوجود أي قوة تمتلك وسائل قتالية خارج إطار المؤسسات الرسمية".
ويعد القرار القضائي، وفق رعد، دعماً "مباشراً لجهود الحكومة في حصر السلاح بيد الدولة"، لأنه يستهدف أحد أهم عناصر القوة التي تعتمد عليها الجماعات المسلحة خارج المنظومة الأمنية الرسمية، و"يضع حداً لمحاولات فرض الأمر الواقع أو الاحتفاظ بقدرات عسكرية موازية لقدرات الدولة".
ويبدأ أي مشروع لنزع السلاح الثقيل والمتوسط، بحسب رعد، بـ"تجفيف مصادر القوة والردع" التي تمتلكها الجهات غير الرسمية، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة التي أثبتت التجارب الإقليمية قدرتها على تنفيذ عمليات عابرة للحدود وخلق أزمات سياسية وأمنية معقدة.
كذلك، يمنح التوجيه الأجهزة الأمنية والقضائية سنداً قانونياً قوياً لملاحقة كل من يثبت تورطه في تصنيع أو تشغيل أو تخزين هذه الطائرات، بما يضيق مساحة حركة السلاح غير الشرعي ويعيد الاعتبار لسلطة الدولة وهيبتها.
ويرى رعد أن العراق "لا يمكن أن يبني دولة قوية ومؤسسات مستقرة بوجود ترسانات عسكرية متعددة ومراكز قرار أمني متفرقة"، لذلك فإن هذا الإجراء يمثّل بداية مرحلة جديدة عنوانها تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وحصر امتلاك السلاح والتقنيات العسكرية المتطورة بالمؤسسات الرسمية، بما يحمي الأمن الوطني ويمنع استخدام الأراضي العراقية في أي أعمال تهدد استقرار البلاد أو تضر بعلاقاتها مع دول الجوار.

نقل الملف إلى دائرة الإرهاب
وفي حال تطبيق التوجيه القضائي بصورة صارمة وفعالة، فقد يمثّل نقطة تحوّل مهمة في ملف السلاح غير المنضبط، ويمنح الحكومة العراقية أدوات إضافية لمواجهة التحديات الأمنية، فضلاً عن دعم مسار بناء دولة المؤسسات وترسيخ سلطة القانون على كامل الأراضي العراقية.
ويؤكد المختص في الشؤون القانونية علي حبيب، لـ"النهار"، أن أهمية هذا التوجيه تكمن في أنه "ينقل التعامل مع ملف الطائرات المسيّرة غير القانونية من دائرة المخالفات الإدارية أو الجنائية التقليدية إلى دائرة الجرائم التي تمس الأمن الوطني والاستقرار العام، وهو ما يمنح السلطات القضائية والأمنية صلاحيات أوسع في الملاحقة والتحقيق واتخاذ الإجراءات الرادعة بحق المتورطين".
ويوضح أن المشرّع العراقي، عندما سن قانون مكافحة الإرهاب، أراد مواجهة كل وسيلة أو أداة يمكن أن تستخدم لبث الرعب أو تهديد الأمن أو الإخلال بالنظام العام، وبالتالي فإن استخدام الطائرات المسيّرة في تنفيذ أعمال عدائية أو دعم أنشطة مسلحة خارج إطار الدولة "يمكن أن يندرج ضمن الأفعال التي تستوجب تطبيق أحكام هذا القانون" وفقاً للوقائع والظروف التي تحددها الجهات القضائية المختصة.
ويشير حبيب إلى أن العقوبات المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب "تعد من أشد العقوبات" في المنظومة القانونية العراقية، إذ تصل في بعض الجرائم الإرهابية إلى عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد بحق الفاعلين والشركاء والمحرضين، بحسب طبيعة الجريمة المرتكبة ونتائجها والأدلة المتوافرة بشأنها.
نبض