العراق وتركيا في عهد الزيدي... هل تُحلّ الملفّات العالقة؟
تدخل العلاقات العراقية – التركية مرحلة جديدة مع تسلّم علي الزيدي رئاسة الحكومة العراقية ومباشرته مهامه رسمياً منذ أكثر من شهر، وسط ترقب سياسي وشعبي واسع لطبيعة المقاربة التي ستعتمدها بغداد تجاه الملفات العالقة مع أنقرة، التي ظلت لسنوات من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية في السياسة الخارجية العراقية. ويأتي هذا الترقب في ظل تداخل أبعاد أمنية واقتصادية وسيادية ومائية، تجعل من العلاقة بين البلدين أحد أهم محاور السياسة الإقليمية للعراق خلال المرحلة المقبلة.
وتعزز هذا الاهتمام بعد الاتصال الهاتفي الذي جرى بين رئيس الوزراء العراقي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الإثنين، وبحث خلاله الجانبان سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات، فضلاً عن تأكيد أنقرة دعمها لاستقرار العراق واستعدادها لمواصلة التنسيق مع بغداد، في مؤشر مبكر على رغبة الطرفين في الحفاظ على قنوات التواصل السياسي والانطلاق نحو مرحلة جديدة من التعاون.
وتواجه حكومة الزيدي مجموعة من الاستحقاقات المعقدة في علاقتها مع تركيا، يتصدرها ملف الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، ولا سيما في مناطق إقليم كردستان وشمال محافظة نينوى، إذ تؤكد بغداد منذ سنوات تمسّكها بمبدأ احترام السيادة العراقية ورفض أي وجود عسكري أجنبي غير منظم باتفاقات واضحة مع الحكومة الاتحادية. وفي المقابل، تواصل أنقرة تبرير عملياتها العسكرية عبر الحدود باعتبارات أمنية مرتبطة بملاحقة عناصر "حزب العمال الكردستاني"، الذي تصنفه تركيا منظمة إرهابية وتعتبر نشاطه في المناطق الحدودية تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
اختبار السيادة والملف الأمني
يُنظَر إلى هذا الملف باعتباره الاختبار الأول لسياسة الحكومة العراقية، خصوصاً في ظل تساؤلات عمّا إن كانت بغداد ستلجأ إلى أدوات ديبلوماسية أكثر فاعلية للتوصل إلى تفاهمات أمنية جديدة مع أنقرة، أو أنها ستواصل النهج السابق القائم على الاحتجاجات الرسمية والدعوات المتكررة لاحترام السيادة العراقية، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية في المناطق الحدودية.
ولا يقل ملف المياه أهمية عن الملف الأمني، إذ يعد من أكثر القضايا الاستراتيجية إلحاحاً بالنسبة إلى العراق، الذي يعاني منذ سنوات من انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات نتيجة التغيرات المناخية وتراجع الإيرادات المائية القادمة من دول المنبع. ويطالب العراق بحصة مائية عادلة ومنصفة تضمن الأمن المائي والغذائي للبلاد، فيما تؤكد تركيا أن إدارة الموارد المائية يجب أن تتم ضمن تفاهمات فنية مشتركة تأخذ في الاعتبار احتياجات جميع الأطراف.
وتواجه حكومة الزيدي تحدّياً في تحويل التفاهمات السياسية السابقة إلى اتفاقات أكثر استدامة تضمن استقرار الإطلاقات المائية وتخفف من آثار الجفاف المتصاعد على المحافظات العراقية.

النفط والمياه... ملفات لا تحتمل التأجيل
كذلك، تبرز الملفات الاقتصادية والنفطية بوصفها محوراً أساسياً في مستقبل العلاقات بين البلدين، ولا سيما ما يتعلق بملف تصدير نفط إقليم كردستان عبر ميناء جيهان التركي، بعد سنوات من الخلافات القانونية والفنية والمالية التي أثرت في تدفقات النفط والعوائد الاقتصادية للعراق. ويترقب المراقبون ما إن كانت بغداد ستتمكن من بلورة تفاهمات أكثر استقراراً مع أنقرة وأربيل تضمن انتظام الصادرات النفطية وحماية المصالح الاقتصادية لجميع الأطراف.
وفي الجانب الاقتصادي الأوسع، تمثّل تركيا أحد أكبر الشركاء التجاريين للعراق، إذ تتجاوز العلاقات التجارية بين البلدين نطاق الطاقة لتشمل قطاعات النقل والاستثمار والبنى التحتية والتبادل التجاري. ويكتسب مشروع "طريق التنمية" أهمية خاصة باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها بغداد لتعزيز موقعها ممراً اقتصادياً إقليمياً يربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية، ما يجعل نجاح التعاون بين البلدين ضرورة اقتصادية تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية.
وسيبقى التنسيق الأمني ومكافحة نشاط "حزب العمال الكردستاني" من أبرز القضايا المطروحة على طاولة الحوار، في ظل مساعي بغداد لتعزيز سيطرتها على المناطق الحدودية وتنظيم العلاقة الأمنية مع دول الجوار وفقاً لمبدأ السيادة والمصالح المشتركة.
فرصة جديدة أم استمرار للمراوحة؟
يقول عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي مختار الموسوي، لـ"النهار"، إن "العلاقات العراقية – التركية مرشحة للدخول في مرحلة أكثر توازناً خلال عهد الزيدي، خصوصاً في ظل الدعم الدولي والإقليمي الذي تحظى به الحكومة الحالية، وهو ما قد يمنح بغداد مساحة أوسع للتفاوض بشأن الملفات العالقة مع أنقرة".
ويضيف الموسوي أن "أي تغيير حقيقي في طبيعة هذه العلاقات لن يعتمد على الدعم الخارجي وحده، بل على قدرة الحكومة على تحويل هذا الزخم السياسي إلى تفاهمات عملية تخدم المصالح العراقية".
ويوضح أن "ملفات الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، وحصة العراق المائية، واستئناف تصدير النفط، والتعاون الأمني المرتبط بحزب العمال الكردستاني، ستكون في مقدمة أولويات الحوار بين بغداد وأنقرة خلال المرحلة المقبلة، ونعتقد أن الحكومة الحالية تمتلك فرصة لإعادة صياغة آليات التفاوض بما يضمن حماية السيادة العراقية وتحقيق المصالح المشتركة مع تركيا".
ويؤكد الموسوي، وهو نائب عن "الإطار التنسيقي"، أن "الدعم الأميركي والإقليمي للحكومة الحالية قد يسهم في تسهيل بعض التفاهمات السياسية والاقتصادية، لكنه لا يلغي تعقيدات الملفات القائمة، خاصة أن بعضها يرتبط بحسابات أمنية وإقليمية تتجاوز الإطار الثنائي بين العراق وتركيا، لذلك فإن النجاح سيقاس بمدى قدرة بغداد على تحقيق نتائج ملموسة في ملفّ المياه والسيادة والتعاون الاقتصادي خلال الفترة المقبلة".
وفي ضوء هذه الملفات المتشابكة، يبقى السؤال المطروح هل ستنجح حكومة الزيدي في الانتقال بالعلاقة مع تركيا من إدارة الأزمات إلى بناء شراكة أكثر استقراراً، أم تبقي التعقيدات الإقليمية الملفات العالقة رهينة الحلول الموقتة.
نبض