الزيدي يرسم خريطة الدولة... تغييرات أمنية ومالية واستثمارية في العراق
في إطار حراك رسمي يُوصف بأنه الأوسع منذ تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، شرع رئيس الوزراء علي الزيدي في إجراء سلسلة تغييرات مهمة في مفاصل أمنية ومالية واقتصادية حساسة، في خطوة تعكس توجهاً لإعادة هيكلة عدد من المؤسسات الحيوية وإعادة توزيع المسؤوليات داخل الدولة بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة والتحديات التي تواجه العراق على المستويات الأمنية والاقتصادية والإدارية.
وتركزت الدفعة الأولى من هذه التغييرات على ملفات الأمن والمال والاستثمار، وسط حديث عن موجة أوسع من القرارات المرتقبة ضمن مشروع إصلاحي تسعى الحكومة إلى تنفيذه خلال المرحلة المقبلة.
تغييرات في مفاصل الأمن والمال
وشملت التغييرات تكليف باسم البدري بمنصب رئيس جهاز الأمن الوطني العراقي خلفاً لأبو علي البصري، في واحدة من أبرز الخطوات المرتبطة بالملف الأمني والاستخباري، نظراً إلى الدور المحوري الذي يؤديه الجهاز في متابعة التهديدات الأمنية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتعزيز الأمن الداخلي.
كذلك، قرر الزيدي تكليف نزار ناصر بمنصب محافظ البنك المركزي العراقي بدلاً من علي العلاق، في خطوة تكتسب أهمية استثنائية في ظل التحديات المالية والنقدية التي يواجهها العراق، والضغوط المرتبطة بسعر صرف الدينار، وإدارة الاحتياطيات الأجنبية، وتنظيم القطاع المصرفي، والعلاقات المالية مع المؤسسات الدولية.
وفي الجانب الاقتصادي والاستثماري، كُلّف عادل الياسري برئاسة الهيئة الوطنية للاستثمار بدلاً من حيدر مكية، وهو تغيير يُنظر إليه على أنه جزء من مساعٍ حكومية لتسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية وتحسين بيئة الأعمال، بما يسهم في تنويع الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
وفي المقابل، تم تكليف أبو علي البصري برئاسة لجنة إسناد مكافحة الفساد، في مؤشر إلى توجه حكومي للاستفادة من الخبرات الأمنية والاستخبارية في دعم جهود ملاحقة ملفات الفساد وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الرقابية والقضائية والأمنية.
ويرى مراقبون أن أهمية هذه التغييرات لا تكمن فقط في استبدال شخصيات بأخرى، إنما في الرسائل السياسية والإدارية التي تحملها، إذ تعكس رغبة الحكومة في إظهار جدية أكبر في ملفات الإصلاح المؤسسي وتحسين الأداء الاقتصادي والأمني، وهي ملفات باتت تحظى باهتمام داخلي واسع ومتابعة دولية متزايدة.
مشروع إصلاحي أوسع
وبحسب مصادر عراقية مطلعة تحدثت إلى "النهار"، فإن هناك حزمة أوسع من التغييرات المرتقبة ستشمل مواقع أمنية وإدارية واقتصادية أخرى خلال الأيام والأسابيع المقبلة، ضمن مشروع إصلاحي يسعى الزيدي إلى تنفيذه بهدف معالجة مواطن الخلل المتراكمة وتعزيز مبدأ الكفاءة والتخصص في إدارة المناصب العليا.
وتلفت المصادر إلى أن الحكومة العراقية تواجه ضغوطاً وتوقعات متصاعدة من شركائها الدوليين، وفي مقدمهم الولايات المتحدة، لتسريع خطوات الإصلاح المالي والإداري وتعزيز الحوكمة الرشيدة وتطوير المؤسسات الأمنية والاقتصادية، ما يجعل التغييرات الأخيرة جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى تعزيز الثقة المحلية والدولية بأداء الدولة العراقية وقدرتها على إدارة الملفات الحساسة بفاعلية أكبر.
وبينما يترقب الشارع العراقي والوسط السياسي ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من قرارات وإجراءات جديدة، تتجه الأنظار نحو قدرة حكومة الزيدي على تحويل هذه التغييرات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، سواء في تعزيز الاستقرار الأمني أو إصلاح المنظومة المالية أو تنشيط الاستثمار أو تحقيق تقدم حقيقي في مواجهة الفساد.

دعم برلماني ومراقبة للنتائج
عضو لجنة النزاهة في البرلمان العراقي أحمد الشرماني يرى، في حديث إلى "النهار"، أن التغييرات الأخيرة التي أجراها الزيدي "تمثل خطوة مهمة على طريق الإصلاح المؤسسي وإعادة تفعيل دور مؤسسات الدولة"، مؤكداً أن مجلس النواب "يدعم أي إجراءات تستند إلى معايير الكفاءة والنزاهة والخبرة وتصب في خدمة المصلحة العامة".
ويشير إلى أن العراق "يمر بمرحلة تتطلب قرارات جريئة وإصلاحات حقيقية داخل مفاصل الدولة الحساسة"، وأن التغييرات التي شهدتها مؤسسات مهمة مثل جهاز الأمن الوطني والبنك المركزي وهيئة الاستثمار "تأتي في إطار الحاجة إلى تطوير الأداء وتعزيز قدرة هذه المؤسسات على مواجهة التحديات الراهنة".
وبحسب الشرماني، فإن مجلس النواب "يتابع بدقة نتائج هذه التغييرات ومدى انعكاسها على الأداء الأمني والاقتصادي والاستثماري، لأن الهدف لا يقتصر على تغيير الأشخاص، وإنما تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن العراقي على أرض الواقع".
ويرى أن تكليف شخصيات تمتلك خبرات تخصصية في مواقع حساسة "يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار الأمني وتحسين إدارة الملف المالي وجذب الاستثمارات، فضلاً عن دعم جهود مكافحة الفساد التي تمثل أولوية وطنية".
ويؤكد الشرماني أن المرحلة المقبلة تتطلب "استكمال مشروع الإصلاح من خلال مراجعة شاملة لأداء المؤسسات الحكومية كافة، وإجراء تقييمات دورية للمسؤولين وفق مؤشرات مهنية واضحة بعيداً من المحاصصة أو الاعتبارات السياسية الضيقة"، لافتاً إلى أن البرلمان "سيدعم كل خطوة إصلاحية حقيقية تستهدف بناء دولة قوية ومؤسسات فاعلة وقادرة على تقديم الخدمات للمواطنين".
ويعتبر النائب العراقي أن المسؤولين الجدد "يحتاجون إلى فرصة للعمل وتنفيذ برامجهم، بالتوازي مع استمرار الرقابة البرلمانية لضمان تحقيق الأهداف المرسومة وتعزيز الشفافية والمساءلة"، مشيراً إلى أن العراق يمتلك فرصة مهمة لإطلاق مرحلة جديدة من الإصلاح الإداري والاقتصادي "إذا استمرت الإجراءات الحكومية بالزخم والجدية نفسيهما".
ويختم بالتأكيد أن التحديات الداخلية والإقليمية والدولية تفرض على الجميع دعم مسار الإصلاح وتغليب المصلحة الوطنية، وأن أي تغيير يسهم في تعزيز هيبة الدولة وتحسين الأداء الحكومي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والأمني سيحظى بدعم القوى الوطنية ومؤسسات الدولة المختلفة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان
نبض