رحلة خان سليمان باشا من محطة للتجار إلى وجهة للزوار (فيديو وصور)
لم يكن خان سليمان باشا مجرد بناءٍ أثري في قلب دمشق القديمة، بل كان شاهداً على حركة تجارةٍ لم تهدأ، وملتقىً جمع بين التجّار والمسافرين وأهالي المدينة، تاركاً بين حجاراته حكايات ما زالت تُروى حتى اليوم.
إذا كانت الحجارة قادرة على الكلام، فإن خان سليمان باشا يحمل بين جدرانه حكايات مدينة كاملة. فمن هنا مرّت القوافل، وعقد التجّار صفقاتهم، وتوقّف المسافرون ليستريحوا من عناء الطريق، لتتحول هذه المساحة إلى شاهد حيّ على مرحلة كانت فيها دمشق واحدة من أهم المحطات التجارية في المنطقة.
وتقول مديرة خان سليمان باشا، هلا سيد رصاص، إن الخان يُعتبر من أقدم الخانات في مدينة دمشق، إذ شُيّد عام 1736 في العهد العثماني على يد الوالي سليمان باشا العظم. وتوضح أن أهميته لا تنبع من قيمته المعمارية فحسب، وإنما من موقعه الاستراتيجي أيضاً، إذ يقع على الطريق المستقيم في سوق مدحت باشا، وهو الطريق الذي كان جزءاً من طريق الحرير التاريخي، والذي شكّل ممراً رئيسياً للتجّار والمسافرين والقوافل القادمة إلى دمشق والمغادرة منها.
وتشير إلى أن الخان كان محطة أساسية لكل من يعبر هذا الطريق، فالتجّار كانوا يقصدونه لعرض بضائعهم وتخزينها داخل المخازن والمحلات التجارية الموجودة فيه، كما كانت تُعقد فيه عمليات البيع والشراء والتبادل التجاري، الأمر الذي جعله واحداً من أعصاب الحركة الاقتصادية في دمشق القديمة، وساهم بشكل مباشر في تنشيط التجارة والأسواق المحيطة به.
الخان اشبه بإنترنت ذلك الزمن
وتضيف سيد رصاص أن دور الخان لم يقتصر على التجارة فقط، بل تجاوز ذلك ليكون ملتقى اجتماعياً وثقافياً بامتياز. ففي فنائه الداخلي، كان يلتقي أهل دمشق بالقادمين من مدن وبلدان مختلفة، ويتبادلون معهم الأخبار والحكايات ويتعرّفون إلى عادات وثقافات جديدة. وتصف الخان بأنه كان أشبه بـ”إنترنت ذلك الزمن”، لأنه شكّل مساحة للتواصل وتناقل الأخبار في وقت لم تكن فيه وسائل الاتصال المعروفة اليوم موجودة.
وتوضح أن هذا التلاقي الإنساني خلق حالة من الانفتاح والتعارف بين الناس، وجعل من الخان مكاناً نابضاً بالحياة، لا مجرد مبنى لاستقبال القوافل. فإلى جانب دوره التجاري، كان يؤدي وظيفة اجتماعية وثقافية، ويشكّل نقطة لقاء تجمع المسافرين والتجّار وأهالي المدينة في مساحة واحدة.

ترميم يحفظ روح المكان
وحول أعمال ترميم الخان وتأهيله، تؤكد سيد رصاص أن الهدف الأساسي كان الحفاظ على روح المكان وهويته التاريخية، مع إعادة إحيائه بما ينسجم مع احتياجات الحاضر. ولهذا، جرى تنفيذ أعمال الترميم وفق المعايير المعتمدة في الحفاظ على الأبنية الأثرية، مع إبقاء الأحجار التي خضعت للترميم ظاهرة للعيان، بحيث يستطيع الزائر تمييز الأجزاء الأصلية عن تلك التي تم التدخل فيها، في تأكيد على الشفافية واحترام القيمة التاريخية للمبنى.
وتلفت إلى أن العناية بالتفاصيل كانت جزءاً أساسياً من عملية التأهيل، فكل الأثاث المستخدم داخل الخان صُمم خصيصاً لهذا المكان، بدءاً من الكراسي وصولاً إلى تجهيزات الغرف. كما تم اختيار عدة أنواع من الأقمشة والألوان بما ينسجم مع طبيعة الخان وطابعه التراثي، وجميعها صُنعت بأيدي حرفيين سوريين، في رسالة تؤكد قدرة الحرف المحلية على تقديم أعمال تضاهي أعلى مستويات الجودة.
وتضيف أن دمشق القديمة مُدرجة على قائمة التراث العالمي، وأن الوفود التي زارت الخان أشادت بجودة أعمال الترميم وبالمستوى المتميز للحرف اليدوية السورية التي ظهرت في مختلف تفاصيل المكان، معتبرة أن ما أُنجز يشكّل نموذجاً ناجحاً في إعادة إحياء المباني التاريخية مع الحفاظ على أصالتها.

واليوم، كما كان في الماضي، لا يزال خان سليمان باشا يستقبل زوّاره، وإن اختلفت الوجوه والأزمنة. فمن كان يقصده يوماً للتجارة أو الاستراحة أو تبادل الأخبار، بات يقصده اليوم للإقامة أو لاكتشاف جماله المعماري والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية والثقافية التي يحتضنها، ليبقى الخان وفياً لفكرته الأولى: مساحة للقاء، وجسراً للتواصل، وحارساً لذاكرة دمشق.
مرّت القوافل، وغاب التجّار، وبقيت الحجارة تحفظ الحكاية… أما خان سليمان باشا، فما زال يرويها حتى اليوم.
نبض