مؤتمر مدني فلسطيني - إسرائيلي في باريس ...كي يبقى إعلان نيويورك حيّاً!
بعد عام من المبادرة الفرنسية السعودية الداعية إلى "حل الدولتين"، بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، التي انتهت بـ"إعلان نيويورك" الذي وقعت عليه 142 دولة مع اعتراف 11 دولة، منها فرنسا، بدولة فلسطينية، تعقد فرنسا النسخة الثانية من "النداء الباريسي" في مؤتمر للمجتمعات المدنية الإسرائيلية والفلسطينية بحضور وزاري غربي وعربي، في معهد العالم العربي غداً الجمعة.
وذكر مصدر مسؤول في الخارجية الفرنسية أسباب عقد هذا الاجتماع في مثل هذه الظروف العالمية:
إعلان نيويورك
الأول: "إن الزخم الذي أطلقناه العام الماضي في نيويورك يجب أن يتواصل، وهذا المؤتمر وسيلةً لإبقائه حياً. إنه نص بالغ الأهمية، وهو في الواقع المبادرة الديبلوماسية الوحيدة التي طُرحت على الطاولة في السنوات الأخيرة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، في مواجهة تصاعد النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني وتفاقمه الرهيب، وقد أسفر عن جملة من التقدمات المهمة. إن إعلان نيويورك هذا، الذي حظي بمصادقة واسعة من المجتمع الدولي وأقرّته 142 دولة، تضمّن للمرة الأولى في وثيقة أممية إدانةً صريحة لأعمال حركة حماس، ودعوةً إلى نزع سلاحها، وإلى إقصائها من حوكمة الأراضي الفلسطينية، فضلاً عن الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، والدعوة إلى أن تُطبّع الدول العربية والإسلامية علاقاتها مع إسرائيل وتنضم إلى منظومة أمن إقليمية متى توافر مسار موثوق نحو إقامة الدولة الفلسطينية. وهو نص صادق عليه، كما أسلفت، ليس فقط 142 دولة، بل أيضاً معظم الدول العربية والإسلامية، وهو أمر بالغ الدلالة. وقد كانت دينامية الاعتراف بالغة الأهمية هي الأخرى؛ إذ اعترف بدولة فلسطين عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، وثلاثة أعضاء في مجموعة العشرين، إلى جانب 11 دولة في آنٍ واحد. هذه أمور بالغة الأهمية، وهذا الزخم نريد الحفاظ عليه وإبقاءه حياً".
فلسطين والحرب الايرانية
السبب الثاني هو "أهمية إبقاء القضية الإسرائيلية-الفلسطينية على جدول الأعمال، في وقت تتركز فيه الأنظار بشكل كبير على النزاع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. بيد أن تحليلنا هو أن الشرق الأوسط تحكمه عقدتان مستعصيتان: إحداهما النظام الإيراني والتحديات التي يطرحها على الأمن الجماعي، والأخرى النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. ونرى أنه يصعب معالجة إحداهما من دون السعي في الوقت ذاته إلى معالجة الأخرى، وأنه في كل الأحوال لن يتحقق استقرار دائم للشرق الأوسط إلا إذا بُذل الجهد في هذين الاتجاهين معاً. كما يجب أن تبقى هذه القضية على جدول الأعمال لأن الوضع لا يزال مأسوياً، بل آخذ في التفاقم. ففي غزة، على رغم وقف إطلاق النار المعمول به، يُنتهك بصفة منتظمة جداً، ولم تُنفَّذ خطة السلام التي اقترحها الرئيس ترامب. على أي حال، لم تُنفَّذ مرحلتها الثانية. نعم، تحقق وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن وإعادة رفات الضحايا، لكن في ما يتعلق بالباقي، فإننا نشهد وضعاً إنسانياً بالغ المأساة، لا سيما بسبب القيود الصارمة التي تفرضها إسرائيل، لا سيما على البضائع ذات الاستخدام المزدوج. ونرى أنه لم يكن ثمة انسحاب إسرائيلي، بل على العكس، تتمدد الخطوط الصفراء نحو الغرب. ونرى أنه لم تكن هناك عملية نزع أسلحة لحماس وأن اللجنة التكنوقراطية لإدارة غزة لم تتمكن من دخول الأراضي وأن إعادة الإعمار لم تنطلق. فالأوضاع في غزة لا تزال محتقنة، وخطر استئناف النزاع قائم وحقيقي، والوضع الإنساني لا يزال كارثياً.
وأخيراً، في الضفة الغربية والقدس الشرقية، يتدهور الوضع بصورة مثيرة للقلق، إذ نشهد منذ سنوات، بل تفاقم الأمر في الأشهر الأخيرة، تصعيداً في الاستيطان بكل أشكاله: الموافقة على وحدات سكنية جديدة في المستوطنات القائمة، والتقنين بأثر رجعي للبؤر الاستيطانية، أي المستوطنات التي كانت غير قانونية حتى بمقاييس القانون الإسرائيلي، والسماح بإقامة مستوطنات جديدة، بما فيها في مناطق جغرافية بالغة الإشكالية لاستمرارية أراضي دولة فلسطين، كمشروع إي-1، الذي ظل معلقاً سنوات طويلة وبات هذه المرة قراراً فعلياً اتخذته السلطات الإسرائيلية. ومشروع إي-1 هذا يهدد بتقسيم الضفة الغربية إلى نصفين، ما يشكل تهديداً وجودياً لحل الدولتين. وثمة قوانين عدة عزّزت صلاحيات الجيش الإسرائيلي مع السلطات الإسرائيلية، بما في ذلك في المنطقتين أ وب، وهو انتهاك لاتفاقيات أوسلو، بما فيها في الخليل انتهاكاً لمذكرة وادي النهر واتفاقيات الخليل، وعلى الصعيد التراثي أيضاً. كما شهدنا إنشاء قاعدة للجيش الإسرائيلي في المنطقة أ، وهو أمر غير مسبوق.
وأخيراً، ثمة إجراءات خنق واختناق اقتصادي تُمارَس ضد السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، من خلال الإجراءات التي يتخذها وزير المال بتسلئيل سموتريتش لحجب عائدات المقاصة والرسوم الجمركية العائدة إلى السلطة الفلسطينية والتي تشكل الجزء الأساسي من مواردها، مع وقف المراسلات المصرفية وفرض قيود على تداول النقد لدى البنوك الفلسطينية. كل ذلك يُفضي إلى اختناق النسيج الاقتصادي الفلسطيني بشكل إشكالي جداً، فضلاً عن ذلك والأشد خطورة، تضاعف أعمال العنف المثيرة للقلق الشديد، سواء في القدس أم في الضفة الغربية، والتي تجري في جو من الإفلات شبه التام من العقاب، بل ثمة في بعض الحالات، ولا بد من قوله، ما يشبه الغطاء الذي يوفره الجيش الإسرائيلي لهؤلاء المستوطنين العنيفين. إنه وضع بالغ الإشكالية يجعلنا نريد التعبير عن تعبئتنا الكاملة".
أصوات السلام
السبب الثالث لعقد هذا المؤتمر هو "إثبات وجود أصوات تنادي بالسلام، صادرة من الميدان تعبّر عنها المجتمعات المدنية الإسرائيلية والفلسطينية، في حين تسود دينامية تطرف متزايد على الجانبين. أرى أن من المفيد جداً والبالغ الأهمية أن يتمكن عدد من الأصوات الإسرائيلية والفلسطينية من الالتقاء وإثبات استعدادها للعمل معاً من أجل السلام، وأنها لا تزال تؤمن بحل الدولتين وتواصل تعبئتها وبناء الجسور بين الشعبين".
حل الدولتين
السبب الرابع لعقد هذا المؤتمر هو "إثبات أن هؤلاء يملكون حلولاً ملموسة وأن ثمة سبلاً موثوقة وعملية ودقيقة للتغلب على العقبات أمام تطبيق حل الدولتين. ذلك أن كثيراً من الأصوات تردد هذه الأغنية الصغيرة القائلة إن حل الدولتين بات في نهاية المطاف وهماً من الماضي، وإرثاً بالياً من اتفاقيات أوسلو، ولم يعد ممكناً. فالمستوطنات أصبحت كثيرة للغاية، والعنف كان أشد مما يُحتمل، والكراهية كانت أعمق مما يُحتمل. إنه حل انتهى أوانه. لا بد من التفكير في دولة ثنائية القومية أو القبول بأنه لا حل - ولا يُعرف ماذا سيكون المآل في هذه الحالة. ثمة عدد من الأصوات يقول ذلك. أما نحن، فعلى النقيض من ذلك، نريد أن نُثبت من خلال هذا المؤتمر أن هذه العقبات قابلة للتجاوز. ولهذا طلبنا من منظمات المجتمع المدني المشاركة في هذا المؤتمر العمل في إطار خمس مجموعات عمل: الأولى حول مسائل الأمن، والثانية حول الشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار، والثالثة حول العقبات أمام حل الدولتين ومخاطر الضم، والرابعة حول مسألة الروايات والديموقراطية والإصلاحات، والخامسة حول التكامل الإقليمي. وفي كل هذه المحاور الجوهرية، يتعين عليهم تقديم مقترحات ملموسة جداً، سيعرضونها أمام الوزراء المجتمعين لهذه المناسبة".
الهدف، وهو السبب الخامس لعقد هذا المؤتمر، هو "إثبات أن المجتمع الدولي لا يزال مُعبَّأً حول هذا الملف ودعم حل الدولتين وحل سياسي للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. سيكون لدينا عدد كبير جداً من الدول الممثَّلة، منها 15 على المستوى الوزاري، ولا سيما دول اعترفت أخيراً بدولة فلسطين أو كانت شديدة التعبئة لمؤتمر العام الماضي حول حل الدولتين. وسيجسّد هذا تعبئة دولية واسعة لإثبات أن القضية لا تزال على جدول الأعمال وأن التعبئة لا تزال قائمة بالكامل. وهذا سبب إضافي. كما سيُثبت أن ثمة نوعاً من الضغط الذي يُمارَس على الأطراف لاستئناف مسار الحوار والتفاوض والسلام. هذه الضغوط مارسناها بأنفسنا. وقد لاحظتم أخيراً أنه بمبادرة فرنسية في المقام الأول، جرى اعتماد حزمة ثالثة من العقوبات الأوروبية عقب اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في 11 أيار/مايو، ما أتاح فرض عقوبات ليس فقط على المستوطنين العنيفين، بل أيضاً، وللمرة الأولى بهذا النطاق، على كيانات بالغة الاستراتيجية في أشد مشاريع الاستيطان راديكالية. كما لاحظتم أننا نطرح على المستوى الأوروبي جملة من الأمور، لا سيما تدابير تتعلق بمنتجات المستوطنات التي تخضع أصلاً لتمييز، غير أنه يمكن أن تُستهدف بصورة أوسع من قِبَل الاتحاد الأوروبي. وقد رفعنا ورقة غير رسمية مع السويديين. ومسألة اتفاقية الشراكة مطروحة على الطاولة بطبيعة الحال ونعمل عليها. بيد أن هذه التدابير على المستوى الأوروبي لا تبدو لنا كافية على المدى القصير جداً. لذا قررنا، قبل أيام قليلة، مع شركائنا البريطانيين والأوستراليين والكنديين والنيوزيلنديين والنرويجيين، اتخاذ تدابير إضافية. وفرضنا عقوبات على وزيرين إسرائيليين متشددين هما إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، و4 مسؤولين في مجال الاستيطان و21 مستوطناً عنيفاً. واتخذ شركاؤنا تدابير مماثلة لتصعيد الضغط الجماعي على الأطراف".
وأضاف المسؤول الفرنسي: "ستكون لدينا، بالترتيب الأبجدي، وفود وزارية من أندورا، وبلجيكا، والبرازيل، وكندا، وإسبانيا، والإمارات العربية المتحدة، وآيرلندا، وأيسلندا، ولوكسمبورغ، والمكسيك، وإمارة موناكو، والنرويج، وقطر، والمملكة المتحدة، وتركيا. وستحضر أيضاً المستشارة العليا نائبة رئيسة الاتحاد الأوروبي كالاس، فضلاً عن مفوض شؤون المتوسط شويكا. وهذا تمثيل رفيع المستوى. وبطبيعة الحال، ترسل دول كثيرة أخرى كبار موظفيها أو تكون ممثَّلة بسفرائها في باريس.
وسيستقبل وزير الخارجية الفرنسي الوزراء المشاركين، وفي فترة بعد الظهر ستجتمع الشخصيات السياسية الدولية والناشطون. وسيعرض الناشطون أعمالهم ونتائج مجموعات العمل والمقترحات الملموسة المستخلصة منها، وإجراء حوار مع الوزراء الحاضرين. كما سنستمع إلى عدد من شهادات الإسرائيليين والفلسطينيين من ضحايا النزاع.
وفي الختام، سيُتلى نداء باريس ويُسلَّم إلى السلطات وهو نص سيدعو قادة العالم أجمع، إلى توعية قادة مجموعة السبع وحثّهم على التفاعل مع هذه القضية حتى نتمكن من إعادة إطلاق الزخم بشأن النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.
نبض