حصر السلاح بيد الدولة العراقية: بين جدية القرار ورفض الفصائل

المشرق-العربي 12-06-2026 | 06:40

حصر السلاح بيد الدولة العراقية: بين جدية القرار ورفض الفصائل

القوة وحدها، أو القرارات الإدارية، لا تكفي لتحقيق هدف نزع السلاح من الفصائل العراقية، بل قد تؤدي إلى صدامات تزيد المشهد تعقيداً.

حصر السلاح بيد الدولة العراقية: بين جدية القرار ورفض الفصائل
عناصر فصيل عراقي مسلح في تشييع رفاق لهم قضوا في ضربة أميركية ببابل. (أسوشيتد برس)
Smaller Bigger

أمير الدعمي*

يمثّل حصر السلاح بيد الدولة أحد أهم مرتكزات بناء الدولة الحديثة، إذ لا يمكن الحديث عن سيادة حقيقية أو نظام قانوني مستقر في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة خارج الإطار الرسمي. غير أن هذا الهدف، رغم وضوحه النظري، يصطدم في الواقع بتشابكاتٍ سياسية وأمنية واجتماعية، تجعل تحقيقه عمليةً معقدة تتطلب أدوات تتجاوز القرار التنفيذي، وفي مقدمها المؤسسة القضائية.

أفرزت ظروف الصراعات والحروب في العراق، فضلاً عن ضعف الدولة في مراحل سابقة، واقعاً تعددت فيه الجهات الحاملة للسلاح، بعضها نشأ تحت مبررات وطنية أو أمنية، والبعض الآخر ارتبط بحسابات سياسية أو إقليمية. ومع تحسن نسبي في قدرات الدولة، برزت الحاجة إلى إعادة احتكار القوة ضمن المؤسسات الرسمية، إلا أن هذا التوجه واجه رفضاً من بعض الفصائل التي ترى في سلاحها ضماناً لبقائها أو نفوذها.

هنا تبرز إشكالية جوهرية: هل يكفي القرار السياسي والتنفيذي لفرض حصر السلاح؟ التجربة تشير إلى أن القوة وحدها، أو القرارات الإدارية، لا تكفي لتحقيق هذا الهدف، بل قد تؤدي إلى صدامات تزيد من تعقيد المشهد. لذلك، يصبح القضاء عنصراً محورياً في إدارة هذا الملف، ليس كجهة تطبيق للقانون فحسب، بل كضامن للشرعية والعدالة.

يؤدي القضاء دوراً أساسياً في حسم النزاع حول شرعية السلاح، من خلال تفسير النصوص الدستورية والقانونية التي تنظم حيازة السلاح واستخدامه. فالدستور غالباً ما يمنح الدولة وحدها حقّ احتكار القوة، ويجرّم أي نشاط مسلح خارج هذا الإطار، ما يمنح القضاء أساساً قانونياً لإصدار أحكام واضحة ضد الجهات المخالفة. ومن خلال قراراته، يستطيع أن يحدد بشكل قاطع الإطار القانوني الذي لا يمكن تجاوزه.

 

مسلحون تابعون لأحد الفصائل منتشرون في بغداد. (فرانس برس)
مسلحون تابعون لأحد الفصائل منتشرون في بغداد. (فرانس برس)

 

إضافة إلى ذلك، يُعدّ القضاء أداة مهمة في ملاحقة الانتهاكات المرتبطة بالسلاح المتفلت، سواء تعلقت بجرائم جنائية أو تهديد للأمن العام. إن تفعيل المساءلة القانونية بشكل جاد وشفاف يساهم في تقويض شرعية السلاح خارج الدولة، ويعزز من ثقة المجتمع بقدرة المؤسسات الرسمية على حماية حقوقه.

ولا يقتصر دور القضاء على الجانب الردعي فحسب، بل يمتد ليشمل تنظيم عمليات الانتقال نحو حصر السلاح، من خلال الإشراف على إجراءاتٍ مثل دمج عناصر الفصائل في الأجهزة الرسمية، أو تسوية الأوضاع القانونية لأفرادها. فالقضاء يمكن أن يكون وسيطاً قانونياً يضمن حقوق الأطراف المختلفة، ويحول دون حدوث تجاوزات أو انتهاكات خلال هذه العملية الحساسة.

غير أن فاعلية القضاء في هذا الملف ترتبط بشروط عدة، أبرزها استقلاليته عن الضغوط السياسية، وقدرته على تنفيذ أحكامه على أرض الواقع. فالقضاء، مهما كانت قراراته حاسمة، يحتاج إلى أجهزة تنفيذية تلتزم تطبيقها، وإلى بيئة سياسية تدعم سيادة القانون. كما أن وجود إرادة حقيقية لدى السلطة الحاكمة لاحترام أحكام القضاء يمثل عاملاً حاسماً في نجاح هذا الدور.

من جهة أخرى، فإن رفض الفصائل قرار حصر السلاح غالباً ما يستند إلى مخاوف من الاستهداف أو التهميش، وهو ما يضع القضاء أمام مسؤولية إضافية تتمثل في توفير ضمانات قانونية عادلة. فحين تشعر هذه الأطراف بوجود نظامٍ قضائي نزيه يكفل حقوقها، قد تكون أكثر استعداداً للانخراط في مسار تسليم السلاح أو تنظيمه.

في المحصلة، فإن معادلة حصر السلاح بيد الدولة لا يمكن حسمها بالقوة وحدها ولا بالخطاب السياسي فقط، بل تحتاج إلى ركيزة قانونية صلبة يمثلها القضاء. فبين جدية القرار ورفض الفصائل، يقف القضاء كحَكَم يحدد الشرعية، ويضمن العدالة، ويمنح الدولة الأداة القانونية اللازمة لفرض سيادتها. وإذا ما أُحسن توظيف هذا الدور، فيمكن أن يتحول القضاء من مجرد جهة فصل في النزاعات إلى عنصر فاعل في إعادة بناء الدولة وترسيخ الامن وسيادة الدولة 

 

*باحث سياسي وقانوني عراقي

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/10/2026 12:05:00 PM
أسقط هواجه الشخصية على حياة السيدة فيروز...
كرة قدم 2/15/2026 5:38:00 PM
الأهلي المصري يحسم صدارة ترتيب المجموعة الثانية في دوري أبطال أفريقيا بعد تعادله مع الجيش الملكي المغربي من دون أهداف
رياضة 6/11/2026 1:37:00 PM
القنوات الناقلة لكأس العالم 2026... هناك قنوات ستبث المباريات مجاناً خلال مونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك