الوصاية الهاشمية... خط أردني أحمر لا تكف إسرائيل عن محاولات تجاوزه
أعاد تقرير نشره موقع "ميدل إيست آي" ونقل فيه عن مصادر أن "الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان بنشاط على سحب الوصاية التاريخية للأردن على المسجد الأقصى في القدس، وتسعيان إلى ترتيب جديد يجعل إدارة الموقع متوافقة بشكل وثيق مع المصالح الإسرائيلية، حالة القلق الأردنية إزاء هذا الملف إلى الواجهة مجدداً.
ومن بين أبرز المستجدات، تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أنه ليس لديه علم بهذه التقارير ولم يسمع بهذا الأمر إطلاقا، وأن هذه أول مرة يسمع نقاشا مرتبطا بهذا الأمر، في حين شدد أيضاً على أن العلاقة بين الولايات المتحدة والأردن "رائعة".
ورداً على استفسارات "النهار"، قال مسؤول أردني إن "الدولة لا تعلق على تقارير إعلامية"، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن "ملف الوصاية الهاشمية يشكل بالنسبة للمملكة خطاً أحمر، وأن أي إجراءات تمس تلك الوصاية ستواجه بحزم".
والوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس، التي تمتد جذورها إلى عشرينيات القرن الماضي، لم تكن يوماً ما في مأمن من الانتهاكات الإسرائيلية واستمرارها، ولا سيما التي تهدف لتهويد المسجد الأقصى وفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، إذ كان الوقت الطويل كفيلاً بترسيخ القناعات الأردنية بأن إسرائيل لن تكف عن استهداف الوصاية وزعزعتها، بدلاً من التسليم بها والتعامل بالتالي بمحاذير تراعي خصوصية تلك الوصاية.
اتفاقية وادي عربة
واحتفظ الأردن بحقّه في الإشراف على الشؤون الدينية في القدس المحتلة، بموجب اتفاقية وادي عربة التي وقّعها مع إسرائيل عام 1994، إذ تنص الفقرة الثانية من المادة التاسعة في الاتفاقية على أن تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدّسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستولي إسرائيل أولوية كبرى لدور المملكة التاريخي في هذه الأماكن. وبناء على ذلك، فإن الملك عبدالله الثاني هو صاحب الوصاية على الأماكن المقدّسة في القدس، وله الحقّ في بذل جميع الجهود القانونية للحفاظ عليها.
وفي خطوة وُصفت بـ"التاريخية"، وقع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في نهاية آذار (مارس) من العام 2013، اتفاقاً في عمّان مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أُعيد فيه تأكيد الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة التي تشمل قيام المملكة بإجراءات منوّعة لحماية المقدسات والوقفيات وتعزيز صمود المقدسيين في أرضهم ودعمهم وإسنادهم، من خلال أشكال دعم مباشرة من بينها إشراف وزارة الأوقاف الأردنية على شؤون المسجد الأقصى، إذ يبلغ عدد الموظفين التابعين لها أكثر من 800، لمتابعة شؤون الأقصى ومساجد مدينة القدس التي يزيد عددها على 102، وتتولى إعمارها ورعايتها وصيانتها والوعظ والإرشاد بها، بالإضافة للإشراف على الأملاك الوقفية (الخيرية والذرّية) في القدس بإدارتها وصيانتها وترميمها واستثمارها، وغير ذلك العديد من المهام والأدوار.
ورغم أن الكاتب والمحلل السياسي عامر السبايلة يقلل من أهمية ما تطرق له تقرير "ميدل إيست آي" في مرحلة كهذه على الأقل، إلا أن مديرة تحرير "الشؤون الفلسطينية" في جريدة الغد الأردنية الدكتورة نادية سعد الدين ترى من جهتها أن ما نُشر "يحمل دلالات وازنة من حيث الأهداف والمضمون والتوقيت، إذ يكشف عن حجم خطورة المساعي الصهيونية المستمرة لتنفيذ مخطط تغيير الوضع التاريخي والقانوني في الحرم القدسي الشريف".
السبايلة يرى في حديثه لـ"النهار" أن "هذه التقارير تميل لفكرة الإشاعات دائما وهي استمرت لسنوات طويلة، وكانت برزت فيما تعرف بصفقة القرن، لكن لا أعتقد أن أحدا مهتم بهكذا ملف في هذه المرحلة كون المنطقة دخلت في مخاض أكبر بكثير".

تفسير الوصاية الهاشمية
وأشار إلى "ضرورة تفسير الوصاية الهاشمية ما إذا كانت تمثل جانباً عملياً أم رمزياً فقط، خصوصاً أنه في النهاية إسرائيل هي من تقرر وتفرض سيطرتها الأمنية"، معتبرا أن "الحديث في هذا الملف مبكر ويجب عدم المبالغة في جعله محط جدل".
رغم ذلك، تطرق السبايلة إلى أن "الإدارة الأميركية قد تكون تتبنى رؤية بجعل القدس (فاتيكان ديني) يجمع جميع الأديان".
وبحسب سعد الدين، فإن "توقيت التقرير تزامن مع حراك صهيوني زخّم نشط بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ولكن وتيرته زادت مؤخراً في محاولة لاستغلال الانشغال العالمي بالتصعيد الإقليمي الراهن بهدف تثبيت وقائع ميدانية مُغايرة في القدس المحتلة".
وأضافت سعدين الدين لـ"النهار" أن "الإشارة بشكل فاضح لأول مرّة إلى العنصر الأميركي في زخم هذا الحراك الصهيوني، حتى لو تم دحضّه أميركياً، يُعاكس وعود واشنطن المتواترة بعدم السماح للجانب الإسرائيلي بضم الضفة الغربية، ولكنه، أيضاً، ينسجم مع حالة الصمت التي تلتزمها الإدارة الأميركية حيال الحركة الاستيطانية النشطة في الضفة الغربية وتجاه الاعتداءات المتواترة ضد المسجد الأقصى ومدينة القدس المحتلة".
وشددت على "أن الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة تُعد ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، وهي تحظى باعتراف دولي ووضع قانوني وتاريخي يحميه القانون الدولي، مثلما تشكل القضية الفلسطينية أولوية أساسية وجوهرية للملك عبدالله الثاني في مختلف المحافل والمنابر الإقليمية والدولية. ورغم كل المحاولات والمساعي الصهيونية المتواترة؛ إلا أنها لن تنال منها، فهي محمية تاريخياً وقانونياً ودولياً وشعبياً".
محو المعالم العربية
لكن سعد الدين تستدرك بالقول: "إن ذلك لا ينفي حجم المخاطر المُحدقة بالمسجد الأقصى، وبمدينة القدس المحتلة، إزاء مخطط صهيوني قديم لتقويض المسجد الأقصى بصفة خاصة، ومحو المعالم العربية، الإسلامية والمسيحية، في القدس بصفة عامة، وإحكام الهيمنة الصهيونية على المدينة بما تمثله من دلالات دينية وتاريخية. وفي ظل الائتلاف اليميني الصهيوني الحاكم ووجود وزراء متطرفين داخل حكومة الاحتلال، مثل بن غفير وسموتريتش، فإن التحديات تزداد قتامة، عند تقديم الدعم الرسمي المطلق للجماعات اليهودية المتطرفة، مثل جمعية (إلعاد) الصهيونية وأذرعها الاستيطانية القائمة، والتي تنشط في تلك الفترة للاستيلاء على منازل وعقارات فلسطينية في القدس، وتحظى بدعم حكومي كبير، فضلاً عن تنظيم الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى".
وتابعت: "لا تنفصل تلك الاعتداءات عن الإجراءات الأخرى التي تتخذها سلطات الاحتلال في إطار مساعيها لمحو الطابع العربي للقدس، ومنها على سبيل المثال: إطلاق يد الجماعات الدينية المتطرفة لاستباحة حرمة المواقع الإسلامية المقدسة، وتوفير الدعم المالي والسياسي والأمني لهذه الجماعات، لاسيما تلك التي تسعى لبناء الهيكل المزعوم على المنطقة نفسها التي يقع فيها المسجد الأقصى، وفرض القيود الصارمة على دائرة الأوقاف الإسلامية لمنعها من ترميم أي مبان إسلامية في محيط المسجد الأقصى، عدا عن الإجراءات القمعية ضد الفلسطينيين الذين يحاولون حماية الأماكن المقدسة والتصدي للاعتداءات الصهيونية عليها".
وترى أنه "إذا كانت هذه الإجراءات التعسفية والاعتداءات المتكررة على المقدسات الإسلامية تُواجّه بمقاومة ضارية من أبناء الشعب الفلسطيني، الذين لا يدخرون وسعاً في الدفاع عن أرضهم وهويتهم وجذورهم التاريخية، إلا أن إحباط المخطط الصهيوني للمساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات الدينية في القدس وتهويد المدينة يتطلب دعماً عربياً وإسلامياً للدور الأردني الأساسي والحيوي والتصدي لأي محاولات تستهدف النيل منه، باعتباره ضمانة مهمة للاستقرار الإقليمي".
نبض