براك يعود بصلاحيّات أوسع... سوريا تدخل "سلّة المشرق" في استراتيجيّة ترامب
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب توم براك إلى واجهة الملف السوري بصلاحيات أوسع، في خطوة تضع سوريا ضمن مقاربة إقليمية جديدة تمتد من العراق وتركيا إلى ملفات "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) و"داعش" وأمن الحدود والطاقة والنفوذ الإيراني.
وجاء توسيع مهمة براك بعد يوم واحد فقط من إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو انتهاء صفته السابقة كمبعوث خاص إلى سوريا، قبل أن يؤكد أن الرجل سيواصل أداء دور قيادي في الملفين السوري والعراقي.
ويكشف الانتقال السريع من إنهاء مهمة براك السابقة إلى تكليفه مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا والعراق، مع احتفاظه بمنصبه سفيراً لدى تركيا، حجم الرهان الذي تضعه إدارة ترامب عليه في إدارة مرحلة جديدة من ملفات المشرق.
الشرع يدفع ملف العقوبات
وجاءت أول إشارة سورية إلى أهمية هذا التحول عبر اتصال الرئيس أحمد الشرع بترامب، واضعاً رفع ما تبقى من العقوبات ودعم التعافي الاقتصادي في صدارة النقاش.
ولا يبدو هذا التزامن مجرد تفصيل بروتوكولي. فدمشق قرأت تعيين براك باعتباره إشارة مباشرة من البيت الأبيض إلى استمرار الانخراط الأميركي في الملف السوري، عبر شخصية تحظى بثقة ترامب وتملك هامش حركة يتجاوز حدود سوريا.
وفي البيان السوري، حضرت العلاقات الثنائية والتطورات السياسية والأمنية في المنطقة خلال الاتصال الثنائي، لكن البعد الاقتصادي كان الأكثر وضوحاً. فقد ركز الشرع على رفع العقوبات بوصفه مدخلاً لإعادة تنشيط الاقتصاد وجذب الاستثمارات، في محاولة لتحديد أولويات المرحلة المقبلة من منظور اقتصادي.
في المقابل، كانت واشنطن تعيد رسم موقع سوريا داخل خريطة أمنية وسياسية أوسع تمتد من العراق إلى تركيا.
ولم يقدم براك نفسه منذ دخوله الملف السوري بوصفه مبعوثاً لإدارة أزمة موقتة. فبعد لقائه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أنقرة، تحدث عن سوريا باعتبارها "فرصة يجب اغتنامها"، وبعد اجتماعه بالشرع في دمشق في 16 أيار/مايو، وصفها بأنها "مختبر لتحالف إقليمي جديد". وهي لغة تنتمي إلى قاموس هندسة سياسية واقتصادية يراد لسوريا أن تكون جزءاً منها.
من دمشق إلى بغداد
يمنح ضم العراق إلى تفويض براك مؤشراً إضافياً إلى طبيعة هذه الرؤية. فملفات شمال شرق سوريا لم تعد منفصلة عن العراق، سواء في ما يتعلق بتنظيم "داعش" أو المخيمات والمعتقلات أو أمن الحدود أو مستقبل "قسد". كما أن النفوذ الإيراني لا يُقاس من الساحة السورية وحدها، بل عبر الامتداد الجغرافي الذي يربط العراق بسوريا ولبنان.
ومن هذا المنطلق، يصبح اتصال الشرع بترامب أكثر من مجرد طلب اقتصادي. فدمشق تدرك أن الإدارة الأميركية تسعى إلى دمجها في منظومة أمنية إقليمية أوسع، فيما تحاول هي تثبيت أولوية مختلفة تقوم على رفع العقوبات وإطلاق الاستثمارات وربط الاستقرار بالنمو الاقتصادي.
لكن الاقتصاد لن يكون منفصلاً عن الأمن في الحسابات الأميركية. ففتح الباب أمام الاستثمارات سيبقى مرتبطاً بمنع عودة "داعش"، ودمج "قسد" في مؤسسات الدولة السورية، وتقليص النفوذ الإيراني.
وتدخل إيران إلى المشهد من زاوية أخرى أيضاً. فواشنطن، بعد المواجهة العسكرية الأخيرة مع طهران وما تلاها من مفاوضات، تسعى إلى الحد من قدرة إيران على إعادة ربط خطوط نفوذها الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان. في المقابل، لا تبدو تركيا متحمسة لأن يتحول تراجع النفوذ الإيراني إلى فرصة لتمدد إسرائيلي غير مضبوط في المنطقة.
هندسة المشرق الجديدة
وتجد دمشق نفسها أمام معادلة معقدة. فهي تريد الاستفادة من الانفتاح الأميركي ورفع العقوبات، لكنها ستواجه في الوقت نفسه أسئلة وضغوطاً مرتبطة بملفات أمنية لا تملك وحدها مفاتيحها. كما أن تركيا، بحكم موقع براك في أنقرة، ستبقى حاضرة في قلب المعادلة، سواء في ما يتعلق بأمن الحدود أو ملف "قسد" أو التوازنات الإقليمية.
ولا يمكن فصل صعود براك عن التحولات داخل إدارة ترامب نفسها. فطريقة إنهاء المسمى السابق ثم إعادة تثبيت الرجل بصيغة رئاسية تكشف تداخلاً واضحاً بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، وبين الديبلوماسية التقليدية والقنوات الشخصية للرئيس. كما أن ترقية مايكل نيدهام، مساعد روبيو القديم، إلى منصب نائب مستشار الأمن القومي تمنح وزير الخارجية وفريقه نفوذاً إضافياً داخل عملية صنع القرار.
وبذلك، لا يظهر براك كشخصية مستقلة عن المؤسسات، ولا كموظف تقليدي داخلها، بل كحلقة وصل بين الرئاسة والخارجية وأنقرة ودمشق وبغداد، وكأحد مهندسي مقاربة ترامب الجديدة للمشرق.
في المقابل، تحمل دمشق تصوراً مختلفاً للأولويات. فهي لا تريد أن تدخل إلى البيت الأبيض من بوابة "قسد" و"داعش" فقط، بل من بوابة الاقتصاد وإعادة الإعمار والاستثمار. وفي هذا السياق، تنظر القيادة السورية إلى رفع العقوبات باعتباره نقطة البداية لا المكافأة النهائية، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار الذي تطالب به واشنطن لن يكون قابلاً للاستمرار من دون تعافٍ اقتصادي فعلي.
في المحصلة، لا يبدو تعيين براك مجرد تعديل في تسمية ديبلوماسية، كما أن اتصال الشرع بترامب يتجاوز حدود المجاملة السياسية. فواشنطن تعمل على توسيع الخريطة الجيوسياسية للملف السوري، فيما تحاول دمشق ترجمة هذا الانفتاح إلى مكاسب اقتصادية مباشرة. وبين المقاربتين ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة، وما إذا كانت سوريا ستتحول إلى بوابة لترتيب إقليمي جديد، أم إلى ساحة جديدة لتقاطع مشاريع القوى الإقليمية والدولية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
وصول الجيش الإسرائيلي في احتلال الأراضي اللبنانية إلى مستويات الاحتلال الناجم عن اجتياح 1982، دفع إلى خروج أصوات من داخل البيئة الحاضنة الأوسع تجرأت على معارضة الحزب...
نبض