الشيخ الذهبي... من حملات النقاب إلى الهداية والدعم العسكري لغزة
بعد سنوات من الظهور بلقب "الشيخ الذهبي"، كشف صاحب حملة "اللباس الشرعي" في سوريا اسمه الحقيقي، وهو هاني دهب، مصري الجنسية. جاء ذلك في منشور على فايسبوك بتاريخ 21 أيار/مايو، تحدث فيه عن تجربة عمل في شركة مصرية، مرفقاً برسالة شكر موجهة إلى "السيد هاني دهب" من مدير الشركة، بعدما موّه اسم الشركة واسم المدير، وذلك عقب خروجه من السجن عام 2011.
ويأتي هذا الكشف في وقت تجاوز فيه دور الذهبي حملات توزيع اللباس إلى ملفات أكثر حساسية، من "هداية" الفتيات و"بيت الأخوات" إلى الدعم العسكري لـغزة، ما يطرح تساؤلات حيال دلالة خروجه من غموض الاسم في هذه اللحظة تحديداً.
حملات النقاب... مشروع يتجاوز توزيع اللباس
عُرف الذهبي على نطاق أوسع بعد سقوط النظام، حين بدأ بإطلاق حملات لتوزيع اللباس الشرعي. وفي البداية، بدت الحملة كأحد مظاهر الفوضى التي رافقت المرحلة الجديدة، لكنها سرعان ما كشفت عن تنظيم وامتداد جغرافي شمل إدلب وحلب وحماة وحمص والغوطة وحي المزة، وصولاً إلى الحسكة ودير الزور واللاذقية.
ولم يعد الأمر مجرد نشاط محدود، بل تحول إلى مشروع يضع جسد المرأة في قلب المشهد العام. وقد نشر الذهبي وثائق قال إنها تثبت حصوله على تراخيص من مديريات الأوقاف لتنفيذ حملاته، لكنه لم يُظهر وثائق من وزارة التربية والتعليم، رغم أن حملاته شملت مدارس وجامعات.
ولا يقدّم الذهبي النقاب كخيار فردي، بل كهوية مرئية تعبّر عن "اتجاه وفكر وعقيدة". لذلك تتجاوز حملاته توزيع اللباس إلى صناعة مشهد جماعي موحّد يوثَّق عبر منصاته، من نساء بلباس موحّد ولافتات تحمل اسمه، إلى مسيرات دعوية في الشوارع. وهكذا يتحول النقاب من خيار شخصي إلى رسالة اجتماعية وضغط رمزي باتجاه نموذج محدد للمجتمع.
وتزداد حساسية هذه الحملات لأنها تأتي في سوريا الخارجة من حرب طويلة وانتقال سياسي لم يستقر بعد. فالبلاد لا تعيش استقراراً مؤسسياً يسمح بترك المجال العام لمنطق المبادرات المفتوحة، بل تواجه صراعاً على معنى الهوية الجديدة: من يملأ الشوارع؟ من يستخدم المساجد؟ من يحدد صورة المرأة النموذجية؟ ومن يملك حق تعريف الحرية بعد سقوط النظام؟

"الهداية" و"بيت الأخوات"... جدل يتوسع
لا تقف المسألة عند توزيع النقاب واللباس الشرعي. فقد برز اسم الشيخ الذهبي في الآونة الأخيرة مع قضية اختفاء الطالبة بتول سليمان علوش، ثم في الجدل حيال "بيت الأخوات" في جبلة، بوصفه داراً قيل إنها أُعدت لإقامة نساء "مخطوفات" أو "مهديات". ونفت وزارة الشؤون الاجتماعية وجود ترخيص رسمي للدار، لكن بيانها لم يحسم الجدل بشأن وجود البيت، ولا حيال الجهة التي تديره أو طبيعة دوره.
وليست "الهداية" تفصيلاً طارئاً في خطاب الذهبي. فكتابه "أفكار كالراجمات" يكشف أن "هداية" الآخرين جزء أصيل من مشروعه. وفي بداية آذار/مارس، شكر الذهبي عائلة "روز"، طالبة الطب العلوية، لأنها سمحت لها، بحسب قوله، بارتداء اللباس الشرعي "بكامل رغبتها واختيارها". ثم عاد إلى استحضار القصة في منتصف أيار، مع تصاعد قضية بتول علوش التي تحولت إلى أبرز نموذج على دعوات "هداية" الفتيات وانتزاعهن من بيئاتهن العائلية والطائفية.
وفي أحد منشوراته، قدّم الذهبي تفسيراً مباشراً لاستقطاب الفتيات، قائلاً إن النساء في "الطوائف الباطنية" لا يؤتمنّ على أسرار ديانتهن، ولذلك يكنّ، وفق منطقه، أقل اقتناعاً بها، بينما يتعرض الرجل للاضطهاد إذا "أظهر إسلامه". وختم منشوره بعبارة دالة: "الثورة السورية قالت بدنا حرية... وها هي الحرية".
وبهذا المعنى، لا تظهر "الهداية" في مشروع الذهبي كتحول ديني فردي فقط، بل كمدخل إلى جماعات مذهبية كاملة عبر نسائها. فالمرأة، حين تُصوَّر بلباس جديد أو تُقدَّم بوصفها "مهتدية"، لا تبقى صاحبة تجربة شخصية معزولة، بل تتحول إلى علامة في صراع هويات، وإلى دليل يستخدمه الخطاب الدعوي لإعادة تعريف الجماعة التي خرجت منها.
وفي هذا السياق، جاءت الاتهامات التي طالت الذهبي بالصلة بملفات اختفاء نساء أو بملف "بيت الأخوات" في جبلة. ولم يصدر عنه نفي واضح لاتهامه بإدارة البيت، بل تعامل مع الاتهامات بأسلوب ساخر، حتى إنه عرض في إحدى المرات رأي "تشات جي بي تي" في مدى تأثير حملته في المجتمع السوري.
وقد تراجعت "دوتشيه فيليه" الألمانية عن القول بوجود ترخيص لدار الأخوات، لكنها لم تتراجع عن ربط البيت بمن سمته "رامي الذهبي"، وذلك قبل أيام من كشفه عن اسمه الحقيقي. ثم جاءت عودة القاصر مريم سلطان السبت لتضيف معطى جديداً إلى هذا المسار، فالفتاة التي اختُطفت من المزة 86 في دمشق سُلّمت بعد خمسة أشهر إلى بيت عمتها في جبلة، ما أعاد فتح الأسئلة بشأن وجود "بيت الأخوات" ووظيفته.
من الدعوة إلى السلاح... دعم عسكري لغزة
ما يزيد خطورة المشروع، ويدفع إلى طرح مزيد من التساؤلات عن مركزية صاحبه، أن نشاط الذهبي لا يتوقف عند توزيع النقاب ولا عند "هداية" الفتيات، كما لا يبقى ضمن حدود الأراضي السورية. فقناة "توثيق دعم الذهبي" لا تنشر فقط صور السلال واللباس والسقيا والخيم، بل تعرض أيضاً ما تسميه "دعماً عسكرياً لغزة".
وفي منشوراته، تحدث الذهبي عن دفعات من هذا الدعم موجهة إلى "القسام" خاصة، فيما نشرت القناة صوراً لبنادق كلاشنيكوف وطلقات ومواد عسكرية، مع تماهٍ واضح بين المسارات الإغاثية ومسار الدعم العسكري.
وهذا التداخل بين الدعوة والتمويل والإسناد العسكري ينقل المسألة من مجرد شخص إلى نمط جديد من الفاعلين غير الرسميين القادرين على التحرك بين النساء والطوائف والإغاثة والسلاح والإعلام الديني، مستفيدين من عوامل عدة لا تزال غير واضحة بالكامل.
وهنا تبرز أسئلة مباشرة تتعلق بطبيعة الظاهرة وحدودها: أين تنتهي حرية الدعوة، وأين تبدأ سلطة التأثير المنظم على المجتمع؟ من يراقب حركة المال بين النشاط الخيري والدعوي والعسكري؟ ومن يملك حق تشكيل صورة المجال العام السوري بعد سقوط النظام، وبأي أدوات وتحت أي رقابة؟
نبض