سوريا ودستور السلطة الواحدة: حين يكتب ميزان القوة نصّه القانوني
الدستور لم يكن غالباً وسيلة لتوزيع القوة، بل كان تقنية لإعادة إنتاج الغلبة، كما يتضح من تجربة دستور 1950 وما تلاه من تحولات سياسية.
لم يولد الدستور السوري، في معظم مراحله، كعقد سياسي يسبق السلطة ويقيّدها، بل كمرآة متأخرة تعكس مركز القوة الذي غلب داخل الدولة. كانت القوة تتبدل أولاً، ثم يأتي النص ليمنحها هيئة قانونية: الجيش بعد البرلمان، الزعيم بعد الجيش، الحزب بعد التعددية، والرئاسة بعد الحزب. لذلك لا تكفي قراءة الدساتير من موادها، بل من البنى الاجتماعية والعسكرية والاقتصادية التي فرضتها، ومن القوى التي استطاعت حمايتها أو ابتلاعها. فالدستور، في التجربة السورية، لم يكن غالباً أداة توزيع للقوة، بل تقنية لإعادة إنتاج الغلبة.
تجسّد هذا التوتر مبكراً في دستور 1950. كان متقدماً في بنيته: برلمان واسع الصلاحيات، رئاسة مقيدة، وقضاء حاضر. لكنه ولد في لحظةٍ كانت السياسة تغادر فيها أروقة النخب المدينية إلى الثكنة. بعد انقلابات 1949، لم تعد دمشق وحلب وحمص وحماة، بأحزابها وتجارها وملاكيها، تمسك وحدها بمفاتيح الدولة. كان الجيش يصعد، ومعه أبناء الأرياف والطبقات الوسطى والدنيا، الذين وجدوا في المؤسسة العسكرية والحزبية طريقاً أسرع إلى السلطة من البرلمان القديم. هكذا عجز النص الجيد عن حماية نفسه، لا لأنه افتقر إلى قيمة دستورية، بل لأنه لم يجد حاملاً اجتماعياً ومؤسسياً يحميه.

جاء أديب الشيشكلي ليكشف هذا التحول بوضوح. لم يكن انقلابه مجرد استيلاء على الحكم، بل محاولة مبكرة لتنظيم المجال السياسي من الأعلى، عبر الجيش والأمن والحزب والاستفتاء، وتدشين ملامح دولة الأمن والدعاية. ومع عبد الحميد السراج، في سنوات ما قبل الوحدة وخلالها، تقدمت أدوات الضبط الأمني على السياسة، قبل أن تأتي الوحدة مع مصر لتسحب القرار السوري إلى رئاسة مركزية ابتلعت الأحزاب والتعددية باسم الأمة والوحدة.
مع البعث، أخذ التحول شكله الأعمق. لم يكن انقلاب 1963 انتصار فكرة حزبية فحسب، بل صعود كتلة اجتماعية جديدة: ضباط ريفيون، أبناء أقليات وأطراف، وطبقات صاعدة وجدت في الحزب العقائدي بوابةً إلى الدولة. ثم جاء حافظ الأسد ليحوّل هذا الصعود إلى مركز مغلق. كان دستور 1973 رديئاً من زاوية الحرية والفصل بين السلطات، لكنه كان متيناً سلطوياً لأنه طابق مركز القوة: رئاسة أمنية عسكرية تمسك بالحزب والجيش والقضاء والاقتصاد. وحين جاء دستور 2012، أزال واجهة الحزب القائد، لكنه أبقى الرئاسة مركز النظام ومحور توازنه.
لم ينفجر عام 2011 ضد دستور بعينه، بل ضد البنية التي جعلت الدستور واجهةً لمركز مغلق من الأمن والمال والولاء. كان الانفجار حصيلة تراكمات القوة نفسها: مركز وأطراف، ريف ومدينة، اقتصاد زبائني، فقر وتهميش، مجتمعات محافظة ونخب عاجزة، ودولة ابتلعتها شبكات الولاء والخوف. لذلك لم تكن الحرب مجرد صراع على الحكم؛ كانت إعادة توزيع عنيفة لمراكز القوة، داخلياً وخارجياً. لكنها لم تنتج مركزاً بديلاً مستقراً، بل خرائط متجاورة من قوى الأمر الواقع، ومجتمعات قلقة، ومناطق اعتادت إدارة شؤونها خارج دمشق.
من هذا الركام جاء الإعلان الدستوري الأخير. لم يكن مرآة لسقوط دستور الأسد فحسب، بل لميزان القوة الذي تقدم إلى مكانه: قيادة عسكرية-إسلامية خرجت من الحرب، راكمت تنظيماً وخبرة حكم محلية، وتواجه اختبار الانتقال من منطق الفصيل إلى منطق الدولة. لم تحل كتلة مدنية برلمانية محل الكتلة الأسدية، بل نواة حكم منتصرة عسكرياً، أحاطت نفسها بتكنوقراط وشخصيات معارضة سابقة وشبكات اعتراف خارجية، في مجتمعٍ منهك لم يستعد بعد أحزابه ونقاباته ومؤسساته الوسيطة.

لذلك لا يرسم الإعلان رئاسة قوية فحسب، بل يكشف محاولة بناء مركز سياسي وإداري واحد يؤدي عملياً بعض وظائف الحزب الواحد من دون أن يحمل اسمه. فالإدارة السياسية، وأهل الثقة، وآليات اختيار مجلس الشعب، والهيئات المتصلة بالرئاسة، كلها تشير إلى سلطة لا تكتفي بإدارة الدولة، بل تسعى إلى تنظيم المجال السياسي من الأعلى: من يمثل، من يُستوعب، من يُستبعد، ومن يُعاد تدويره داخل النظام الجديد. هنا لا يصعد التمثيل من المجتمع إلى السلطة، بل ينزل من السلطة إلى المجتمع.
وهنا يصبح سؤال اللامركزية الوجه الآخر لسؤال الرئاسة. فإلى جانب المجتمع المنهك، ثمة قوى أمر واقع، ومطالب ضمانات، ومكونات خرجت من الحرب مثقلةً بالخوف، وحسابات خارجية تجعل الاعتراف ورفع العقوبات وإعادة الإعمار جزءاً من هندسة النص، لا مجرد تفاصيل لاحقة عليه. والسؤال الجوهري لا يتعلق بحجم صلاحيات الرئيس وحدها، بل بمن يملك حق توزيع القوة: هل يوزعها الدستور في قاعدة عامة، أم يديرها المركز عبر تفاهمات موضعية مع القوى التي لا يستطيع تجاهلها؟
ما لا يبدأ كتوزيع للقوة، نادراً ما ينتهي بتداولها. وإذا كان تاريخ الدساتير السورية يعلّم شيئاً، فهو أن النص الذي يولد بعد غلبة مركز واحد يتحول غالباً إلى لغة تلك الغلبة، لا إلى قيدٍ عليها. لذلك، لا يبدو الإعلان الدستوري خروجاً مكتملاً من إرث السلطة الواحدة، بل إعادة اختبار له: بكتلة مختلفة، وخطاب مختلف، وفي بلد تراجعت فيه الكوابح القادرة على منع المركز من التمدد.
نبض