في صحراء العراق... قاعدة إسرائيليّة سريّة أخرى بقيت مخفيَّة لأشهر
تكشف وقائع جديدة من الصحراء الغربية العراقية عن وجود قاعدة إسرائيلية ثانية غير معلنة داخل العراق، تختلف عن الموقع الذي سبق أن كشفت عنه "وول ستريت جورنال". فبينما أثارت القاعدة الأولى جدلاً أمنياً وسيادياً واسعاً، قادت حادثة مقتل الراعي العراقي عواد الشمري إلى خيوط موقع آخر أكثر غموضاً، تقول مصادر عراقية وإقليمية إنه استُخدم لدعم العمليات العسكرية ضد إيران. وبين صمت رسمي، وتحركات عسكرية مريبة، وإحاطات سرية داخل البرلمان العراقي، تتكشف تدريجاً معالم حرب ظلّ دارت بعيداً من الأعين في عمق الصحراء العراقية.
قاعدتان سريتان ومروحية مطاردة... ماذا حدث في صحراء العراق؟
كانت الشاحنة التي مرّت عند الساعة الثانية بعد ظهر الثالث من آذار/مارس مشهداً مألوفاً لسكان المخيم البدوي في الصحراء الغربية الوعرة بالعراق، سيارة بيك آب تعود لأحد الرعاة المحليين في طريقها إلى بلدة النخيب الأقرب. لكن عودتها بعد ساعات قليلة، وهي تحترق ومثقوبة بالرصاص، لم يكن أمراً عادياً على الإطلاق.
قال ثلاثة شهود من المخيم إن مروحية كانت تطارد الشاحنة وتطلق النار عليها مراراً حتى توقفت في الرمال.
الهجوم القاتل الذي لم يُكشف عنه سابقاً، وقع بعدما انطلق عواد الشمري (29 عاماً) في رحلة لشراء حاجيات غذائية، بحسب ما قاله ابن عمه أمير الشمري لصحيفة "نيويورك تايمز". لكن الراعي، بدلاً من العودة إلى منزله، عثر على سرّ عسكري إسرائيلي شديد الحساسية مخفي في الصحراء العراقية، وتعتقد عائلته أن ذلك كلّفه حياته.
وأظهر اكتشاف الشمري في نهاية المطاف أن العراق استضاف قاعدتين سريتين تديرهما إسرائيل إدارة متقطعة لأكثر من عام.
وفي مرحلة ما بين بداية رحلته ونهايتها الدموية، اتصل الشمري بالقيادة العسكرية الإقليمية العراقية للإبلاغ عمّا رآه: جنود، مروحيات وخيام حول مهبط طائرات. ووفق مسؤولين عراقيين وإقليميين كبار، كانت إسرائيل تدير قاعدة هناك لدعم عملياتها العسكرية ضد شريك بغداد الإقليمي، إيران.
وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" قد تحدثت سابقاً عن وجود موقع إسرائيلي في العراق، لكن مسؤولين عراقيين قالوا لـ"التايمز" إن هناك قاعدة ثانية غير معلنة أيضاً في الصحراء الغربية العراقية.
وقال مسؤولون أمنيون إقليميون إن القاعدة التي صادفها الشمري تعود إلى ما قبل الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وقد استُخدمت خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً ضد طهران في حزيران/يونيو 2025.
وأضاف أحد المسؤولين أن القوات الإسرائيلية بدأت التحضير لبناء القاعدة الموقتة منذ أواخر عام 2024، عبر تحديد مواقع نائية يمكن استخدامها في النزاعات المستقبلية.
ورفض الجيش الإسرائيلي التعليق مراراً على هذه المعسكرات أو على مقتل الشمري.
وطلب الشهود الذين تحدثوا عن مقتل الشمري عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً على سلامتهم، كما أصر معظم المسؤولين الذين ناقشوا القواعد الإسرائيلية على عدم ذكر أسمائهم نظراً لحساسية الملف الأمني.
وتشير المعلومات التي قدموها إلى أن واشنطن كانت على علم بإحدى القاعدتين على الأقل — وهي التي اكتشفها الشمري — منذ حزيران/يونيو 2025 وربما قبل ذلك. وهذا يعني على الأرجح أن الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي الآخر لبغداد، أخفت عن العراق وجود قوات معادية على أراضيه.

وقال النائب العراقي وعد القدو، الذي حضر إحاطة برلمانية سرية حول القاعدة:
"هذا يُظهر استخفافاً صارخاً بسيادة العراق وحكومته وقواته، وكذلك بكرامة الشعب العراقي".
وأضاف مسؤولون إقليميون أن دور الولايات المتحدة في الأمن العراقي كان جزءاً من حسابات إسرائيل التي جعلتها تعتقد أنها تستطيع العمل سراً داخل العراق بأمان.
وقال مسؤولان أمنيان عراقيان إنه خلال الحرب القصيرة العام الماضي وكذلك في النزاع الحالي، أجبرت واشنطن العراق على إيقاف راداراته لحماية الطائرات الأميركية، ما جعل بغداد أكثر اعتماداً على القوات الأميركية لرصد أي نشاط معادٍ.
مسؤولون عراقيون: الجيش اشتبه بوجود إسرائيلي منذ أسابيع
من جهته، قال اللواء علي الحمداني، قائد قوات الفرات الأوسط الغربية في الجيش العراقي، إن الجيش اشتبه بوجود إسرائيلي في الصحراء لأكثر من شهر قبل اكتشاف الراعي للقاعدة.
وأضاف: "حتى الآن، لا تزال الحكومة صامتة بشأن الأمر".
ورغم حساسية الاعتراف بوجود مواقع إسرائيلية، لم تعترف الحكومة العراقية حتى الآن بهذه القواعد. ولا تربط العراق أي علاقات ديبلوماسية بإسرائيل، كما يعتبرها غالبية السكان دولة عدوة.
وقال اللواء سعد معن، المتحدث باسم القوات الأمنية العراقية، لـ"التايمز" إن العراق "لا يملك أي معلومات بشأن مواقع قواعد عسكرية إسرائيلية".
وقد يهدد الغضب المتزايد داخل العراق حيال هذه المعلومات الجهود الأميركية للحد من النفوذ الإيراني في البلاد، في وقت لا تزال فيه نتائج الحرب غير محسومة.
وقال مسؤولان أمنيان إقليميان إن القاعدة التي كشفها الشمري كانت تُستخدم للدعم الجوي، والتزود بالوقود، وتقديم العلاج الطبي.
ما هدف الموقع؟
وكان الهدف من الموقع تقليص المسافات التي تحتاج الطائرات الإسرائيلية لقطعها للوصول إلى إيران، على أن يكون وجوده موقتاً لدعم العمليات العسكرية، مثل حرب حزيران/يونيو 2025، حيث وصفه المسؤولان بأنه كان "مفيداً للغاية".
وفي خطاب أعقب حرب العام الماضي، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال إيال زامير إن نجاح العمليات الإسرائيلية تحقق "من بين أمور أخرى، بفضل التكامل والخداع اللذين نفذتهما القوات الجوية وقوات الكوماندوس البرية".
ورفضت القيادة المركزية الأميركية، المشرفة على العمليات في الشرق الأوسط، التعليق على الأنشطة الإسرائيلية في العراق، وأحالت الأسئلة إلى الجيش الإسرائيلي.
لكن قادة عسكريين أميركيين سابقين ومسؤولين في البنتاغون وديبلوماسيين أميركيين خدموا في المنطقة قالوا إنه من غير المعقول، نظراً للعلاقات الوثيقة بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي، ألا تكون القيادة المركزية على علم بالوجود الإسرائيلي في غرب العراق.
تحركات مريبة
قال اللواء الحمداني إن البدو في الصحراء الغربية أبلغوا الجيش العراقي لأسابيع عن تحركات عسكرية مريبة، فيما اكتفت القيادة بالمراقبة وطلبت توضيحات من الأميركيين من دون رد. وعندما صادف عواد الشمري القوات الأجنبية وأبلغ السلطات، انقطع الاتصال به قبل أن تعثر عائلته على جثته وشاحنته محترقتين بعد يومين.
وفي اليوم التالي، أرسل الجيش العراقي قوة استطلاع إلى المنطقة، لكنها تعرضت لإطلاق نار أدى إلى مقتل جندي وإصابة اثنين وتدمير آليتين، ما دفعها إلى الانسحاب.
وبينما تحدثت بغداد علناً عن "قوات أجنبية"، كشف مسؤولون عراقيون أن اتصالات مع الجيش الأميركي أكدت أن القوة ليست أميركية، ما عزز القناعة بأنها إسرائيلية.
وبعد إحاطة سرية للبرلمان، قال نواب ومسؤولون إن إسرائيل أقامت قاعدة واحدة على الأقل داخل العراق، مع تأكيد وجود موقع ثانٍ في الصحراء الغربية. ورجّح مسؤولون أن القيادة العراقية اعتقدت بدايةً أن المواقع أميركية قبل اكتشاف حقيقتها.
نبض