من قوافل الشام إلى مطار دمشق... كيف تغيّرت رحلة الحجّ في سوريا؟
دمشق - مروة البرغش
لم تكن دمشق يوماً مجرد محطة عابرة في جغرافيا المشرق العربي، بل بقيت لقرون طويلة "بوابة السماء" وقلباً روحياً نابضاً للعالم الإسلامي. فمن أزقتها القديمة انطلقت قوافل الحج الشامي، وعلى أرصفتها تلاقت وفود من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. واليوم، يتجدد هذا النبض التاريخي مع انطلاق الأفواج السورية إلى الديار المقدّسة لأداء مناسك الحج لعام 1447هـ/ 2026م، وسط أجواء تمتزج فيها مشاعر الشوق الإيماني بذكريات درب المحمل الشامي ومحطة الحجاز العتيقة.
24,500 حاج سوري... انفراجة بعد أعوام صعبة
شهد موسم الحج هذا العام انفراجة تنظيمية واسعة لبّت تطلعات آلاف السوريين المتشوّقين إلى زيارة الكعبة المشرفة، بعدما أعلنت وزارة الأوقاف السورية رفع حصة الحجاج السوريين إلى 24500 حاج وحاجة، عقب إضافة 2000 تأشيرة جديدة في اللحظات الأخيرة، في خطوة عُدّت من ثمار التعاون بين سوريا والسعودية والجهود المبذولة لتسهيل أداء المناسك.
وانطلقت أولى الرحلات الجوية من مطار دمشق الدولي في التاسع من أيار/مايو الجاري باتجاه جدة، تلتها رحلات من مطار حلب الدولي، وسط إجراءات تنظيمية وتسهيلات لوجستية شملت تجهيز قاعات خاصة للإحرام والوضوء، إلى جانب تفعيل تطبيقات إلكترونية للتواصل المباشر مع البعثة الطبية والإدارية، بما يضمن سلامة الحجاج وراحتهم طوال الرحلة.
وعلى الصعيد الفلكي، تشير التقديرات إلى أن يوم التروية، الموافق الثامن من ذي الحجة، سيصادف الاثنين 25 أيار 2026، فيما يحل يوم عرفة الثلاثاء 26 أيار، يليه عيد الأضحى المبارك وأيام التشريق التي تختتم مناسك الحج مع نهاية الشهر الجاري.

محطة الحجاز... ذاكرة قطار حمل الشام إلى مكة
عند الحديث عن الحج في دمشق، يصعب تجاوز "محطة الحجاز" التاريخية التي لا تزال تحتفظ بمكانتها الرمزية في الذاكرة السورية. فقد افتُتحت المحطة رسمياً عام 1908 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وشكّلت آنذاك تحولاً هائلاً في رحلة الحج، بعدما اختصرت السفر الشاق عبر الصحراء من أشهر طويلة إلى أيام معدودة.
وشُيّدت المحطة بطراز معماري دمشقي – عثماني مميز، تتداخل فيه الزخارف الحجرية مع النوافذ الزجاجية الملوّنة والأسقف الخشبية المحفورة بعناية. ورغم توقف القطار عن العمل المنتظم منذ الحرب العالمية الأولى، فإن المكان لا يزال حاضراً في وجدان الدمشقيين بوصفه محطة وداع الحجاج، حيث كانت التكبيرات والدموع تختلط بصافرة القطار المتجه نحو المدينة المنورة ومكة المكرمة.
"حج مبرور"... طقوس شامية لا تغيب
في دمشق القديمة، لا تزال عودة الحجاج تحمل طابعاً احتفالياً خاصاً، حتى مع تبدّل الأزمنة ووسائل السفر. فمع اقتراب موعد العودة، تبدأ الحارات الدمشقية بالتحضير لاستقبال الحجاج عبر تزيين البيوت بأغصان الآس وسعف النخيل، فيما تُكتب عبارات "حج مبرور وسعي مشكور" على الأبواب والجدران.
ولا تكتمل طقوس "العَوّاد الشامي" من دون علب الحلوى التي تُحضّر خصيصاً في سوق البزورية، وتُملأ بالسكاكر الملبّسة بالشوكولاتة واللوز المجفف، وتُوزع على المهنئين إلى جانب ماء زمزم والتمر والمسابح التي يجلبها الحجاج معهم من مكة المكرمة والمدينة المنورة.
ورغم انتقال الرحلات من القوافل وقطار الحجاز إلى الطائرات الحديثة، لا تزال دمشق تحافظ على روحها الخاصة في موسم الحج؛ مدينة تودّع حجاجها بالدعاء، وتنتظر عودتهم بلهفة مدينة لم تفقد يوماً بوصلتها الروحية.
نبض