تصدّع داخل الإطار التنسيقي... خلافات جلسة الثقة تهزّ حكومة الزيدي
تحوّلت جلسة مجلس النواب العراقي المخصصة لمنح الثقة لحكومة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي من محطة يفترض أن تؤسس لانطلاقة سياسية جديدة، إلى واحدة من أكثر الجلسات توتراً وانقساماً منذ عام 2003، بعدما فجّرت الخلافات داخل القوى الشيعية الحاكمة أزمة سياسية كشفت حجم التصدّع داخل "ائتلاف الإعمار والتنمية" بزعامة محمد شياع السوداني، وعمّقت الانقسامات داخل قوى الإطار التنسيقي.
الجلسة التي عُقدت الخميس وسط إجراءات أمنية مشددة وترقب سياسي واسع في العراق، شهدت اعتراضات حادة بين الكتل النيابية بشأن توزيع الوزارات والأسماء المرشحة للحقائب السيادية والخدمية، ما تسبب بفوضى داخل البرلمان تخللتها انسحابات ومشادات واتهامات بمحاولة فرض إرادات سياسية على حساب مبدأ التوافق، فضلاً عن اعتراضات على بعض الشخصيات المرشحة بدعوى قربها من أحزاب نافذة أو افتقارها إلى الخبرة الكافية لإدارة المرحلة المقبلة.
وأظهرت نتائج التصويت الأولية سقوط عدد من الوزراء المقترحين وعدم حصولهم على الأغلبية المطلوبة، في مؤشر عده مراقبون دليلاً واضحاً على انهيار التفاهمات التي سبقت إعلان تشكيل الحكومة، خصوصاً مع بروز اعتراضات وانشقاقات داخل القوى الداعمة نفسها للتشكيلة الوزارية. كما كشفت الجلسة عن وجود تيارات داخل الإطار التنسيقي باتت ترفض استمرار هيمنة بعض الأطراف على القرار السياسي، ما دفع عدداً من النواب والقيادات إلى إعلان انسحابات أو تجميد نشاطهم داخل "ائتلاف الإعمار والتنمية" احتجاجاً على ما وصفوه بالتفرد في إدارة المفاوضات الحكومية.
صراع نفوذ داخل البيت الشيعي
المعطيات السياسية تشير إلى أن الأزمة الحالية تتجاوز مسألة أسماء الوزراء أو توزيع المناصب، وتعكس صراعاً أعمق على النفوذ داخل البيت السياسي الشيعي، في ظل محاولات لإعادة رسم موازين القوى بعد انتهاء ولاية حكومة السوداني. ويرى متابعون أن هذا الانقسام قد ينعكس مباشرة على قدرة حكومة الزيدي في استكمال تمرير ما تبقى من التشكيلة الوزارية خلال الجلسات المقبلة، مع تصاعد الاستقطاب السياسي وتراجع فرص الوصول إلى تسويات سريعة.
كذلك، تثير التطورات الأخيرة مخاوف من انعكاس الخلافات على استقرار الحكومة الجديدة وأدائها التنفيذي، في وقت يواجه فيه العراق ملفات معقدة تتعلق بالأزمة الاقتصادية والخدمات والبطالة والملفات الإقليمية والأمنية. ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار الانقسامات داخل القوى الحاكمة إلى إضعاف الغطاء البرلماني للحكومة الجديدة، ما يجعلها عرضة لضغوط سياسية مستمرة منذ أيامها الأولى، ويهدد بإعادة إنتاج أزمات الانسداد السياسي.
ويقول الباحث في الشأن السياسي أحمد الأنصاري لـ"النهار" إن "ما شهدته جلسة مجلس النواب الخاصة بمنح الثقة لحكومة الزيدي يمثّل واحدة من أكثر صور التخبط السياسي وضوحاً داخل القوى الحاكمة، والمشادات والخلافات التي رافقت الجلسة كشفت حجم الانقسام الحقيقي داخل قوى الإطار التنسيقي وعدم وجود اتفاق فعلي على إدارة المرحلة المقبلة".
ويضيف أن "سقوط عدد من الوزراء خلال التصويت وما تبعه من انسحابات واعتراضات متبادلة يؤكد أن التفاهمات التي سبقت جلسة منح الثقة كانت هشة ومبنية على مصالح موقتة لا على مشروع سياسي واضح، وبعض القوى دخلت الجلسة وهي تسعى إلى فرض إرادتها السياسية والاستحواذ على الوزارات المهمة بعيداً عن معايير الكفاءة أو التوازن الوطني".

ضربة سياسية للسوداني
ويشير الأنصاري إلى أن "ائتلاف السوداني تعرض لضربة سياسية كبيرة بعد بروز الانشقاقات والاعتراضات من داخل مكوناته، الأمر الذي يعكس وجود أزمة ثقة حقيقية بين أطراف التحالف، والخلافات الحالية لم تعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحولت إلى صراع نفوذ مفتوح قد يقود إلى إعادة رسم خارطة التحالفات السياسية داخل البرلمان".
ويؤكد أن "القوى السياسية ما زالت تتعامل مع تشكيل الحكومات بمنطق المحاصصة وتقاسم النفوذ، فيما يتم تجاهل الأزمات الحقيقية التي يعاني منها المواطن العراقي، ولهذا فإن الحكومة الجديدة ستواجه صعوبات كبيرة إذا استمرت حالة التشظي والانقسام داخل القوى التي منحتها الثقة". كما يحذر من أن استمرار الخلافات داخل الإطار التنسيقي سيؤدي إلى تعطيل استكمال التصويت على ما تبقى من التشكيلة الوزارية، فضلاً عن إضعاف الغطاء السياسي للحكومة الجديدة.
في المقابل، يقول عضو الإطار التنسيقي علي الياسري لـ"النهار" إن "هناك حراكاً سياسياً مكثفاً داخل قوى الإطار من أجل احتواء الخلافات التي تصاعدت خلال جلسة التصويت على منح الثقة لحكومة الزيدي، وعدداً من القيادات السياسية دخلت على خط الوساطات لإعادة تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة".
ويوضح أن "الخلافات التي ظهرت خلال الجلسة لم تكن بسيطة، بل تعكس تباينات حقيقية بشأن توزيع بعض الحقائب الوزارية وآلية إدارة التفاهمات السياسية داخل الإطار التنسيقي"، مشيراً إلى أن الاجتماعات والحوارات لا تزال مستمرة لمنع تفاقم الأزمة والحفاظ على وحدة التحالف.
تأجيل إلى ما بعد العيد؟
ويضيف الياسري أن "الوساطات السياسية ما تزال في مراحلها الأولى ولم تصل حتى الآن إلى اتفاقات نهائية يمكن البناء عليها، وحالة الانقسام والاعتراضات المتبادلة ستؤثر بشكل مباشر على استكمال التصويت على ما تبقى من التشكيلة الوزارية خلال الفترة القريبة المقبلة".
ويؤكد أن "المؤشرات الحالية ترجح تأجيل جلسات استكمال منح الثقة للوزراء المتبقين إلى ما بعد عطلة عيد الأضحى، بسبب استمرار الخلافات وعدم نضوج التسويات السياسية حتى الآن، والكتل السياسية تحتاج إلى مزيد من الوقت لإعادة ترتيب تفاهماتها والوصول إلى صيغة مقبولة تضمن تمرير الوزراء المتبقين دون حدوث أزمات جديدة داخل البرلمان".
وبينما تؤكد بيانات رسمية صادرة عن مجلس النواب أن الجلسة شهدت حضور غالبية الأعضاء لتحقيق النصاب القانوني، فإن تأجيل التصويت على بعض الحقائب الوزارية بسبب غياب التوافق السياسي يعكس حجم الأزمة التي تواجهها الحكومة الجديدة. وفي ظل استمرار المفاوضات ومحاولات احتواء الانقسام، تبدو الساحة العراقية مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية قد تعيد رسم خارطة التحالفات داخل البرلمان، وتحدد مستقبل حكومة الزيدي وقدرتها على الصمود أمام أول اختبار سياسي كبير.
نبض