من "خريطة الطريق" إلى "الردع الأردني"... ماذا تكشف غارات السويداء ضد شبكات المخدرات؟
لم يكتفِ الأردن هذه المرة بتوجيه ضربة أمنية ضد شبكات تهريب المخدرات والسلاح على الحدود السورية، بل أعلنت العملية باسم واضح: "الردع الأردني". بهذا التوصيف، بدت الغارات التي استهدفت ريف السويداء ليل السبت - الأحد مؤشراً إلى أن ملف التهريب لا يزال يشكل أولوية أمنية أردنية، رغم التحولات السياسية التي شهدتها سوريا بعد سقوط بشار الأسد ومسارات التنسيق التي تلت ذلك بين عمّان ودمشق.
وبحسب الرواية الأردنية، استهدفت العملية مواقع يستخدمها تجار المخدرات والأسلحة على الواجهة الحدودية الشمالية، بينها مصانع ومستودعات تشكل نقاط انطلاق نحو الأراضي الأردنية. أما الروايات السورية والمحلية، فحدّدت مسرح الغارات في ريف السويداء، وذكرت خصوصاً محيط شهبا وعرمان وأم الرمان وملح، من دون أن يقدّم البيان الأردني لائحة رسمية بالأهداف أو حصيلة بشرية.
وتأتي أهمية العملية من توقيتها وجغرافيتها. فقد جاءت بعد أشهر من خريطة طريق أردنية - أميركية - سورية لاستعادة الاستقرار في السويداء، وفي ظل مسار من التنسيق الأمني والسياسي بين عمّان ودمشق. بذلك أعادت الغارات طرح سؤالين متلازمين: ماذا بقي من اقتصاد المخدرات والسلاح بعد انهيار المنظومة التي ارتبط اسمها بصناعة الكبتاغون؟ وكيف ظلّت السويداء، رغم مسارات التهدئة والتنسيق السوري - الأردني، مسرحاً لردع أردني مباشر ضد شبكات السلاح والمخدرات؟
السويداء بين الفراغ الأمني وسلطة الأمر الواقع
ولم يكن اقتصاد المخدرات في سوريا مجرد قرار تصدره سلطة مركزية ثم يختفي بسقوطها، بل شبكة مصالح محلية وعابرة للحدود، تشكلت خلال سنوات الحرب، واستفادت من تآكل الدولة وتعدد مراكز القوة وتداخل الأمن بالاقتصاد غير المشروع. وتشير الغارات، من هذه الزاوية، إلى أن بعض تلك الشبكات بقي قادراً على إعادة التموضع داخل الفراغات التي تركها سقوط السلطة القديمة، خصوصاً في مناطق لم تدخل بعد تحت ضبط السلطة الجديدة.
وفي السويداء، تأخذ هذه الفجوة شكلاً أكثر تعقيداً. فالمحافظة ليست مجرد منطقة رخوة أمنياً، بل مساحة خرج معظمها من السيطرة الحكومية المباشرة، وتتحكم بها عملياً سلطة أمر واقع محلية يتصدرها شيخ العقل حكمت الهجري. وخلال الأشهر الماضية، اتخذ خطاب هذه السلطة منحى أكثر حدة؛ من رفض عودة الأجهزة الأمنية والمطالبة بترتيبات محلية خاصة، إلى الدعوة للانفصال وتشكيل دولة مستقلة، والإعلان عن التنسيق مع إسرائيل باعتبارها، وفق هذا الخطاب، الجهة التي دافعت عن الدروز.
تمنح هذه الخلفية العملية بعداً يتجاوز عنوانها الحدودي. فالأردن لا يضرب في منطقة هادئة سياسياً، بل عند تماس بين مسارات متعارضة: سلطة سورية تسعى إلى استعادة السيادة ووحدة الأراضي، وسلطة محلية تحاول تكريس أمر واقع خاص، ومقاربة إسرائيلية لا تكتفي بخطاب حماية الدروز، بل تندرج ضمن تصور أوسع تحدث فيه أكثر من مسؤول إسرائيلي عن منطقة عازلة من دون توضيح حدودها النهائية. لذلك يحمل أي استهداف داخل المحافظة بعداً سياسياً إضافياً، حتى إن بقي الهدف المعلن محصوراً بمكافحة المخدرات والسلاح.

أين ينتهي التنسيق ويبدأ الردع؟
ويزيد تلقي الضربة من حساسية المشهد. فالتغطية الرسمية السورية وصفت الغارات باعتبارها استهدافاً لمقر يحتوي على أسلحة ومخدرات تسيطر عليه "عصابات متمردة"، بينما جاء الاعتراض المعلن من "الحرس الوطني" في السويداء، الذي استنكر الضربات. وهو ما يفتح سؤال حدود الأدوار داخل معادلة الجنوب: أين ينتهي التنسيق السوري - الأردني، وأين يبدأ الردع الأردني، وكيف تتعامل سلطة الأمر الواقع في السويداء مع عمليات تجري في مناطق نفوذها؟
وكان مفترضاً أن تشكل خريطة الطريق الخاصة بالسويداء مظلة إقليمية لإدارة هذه العقدة عبر الإجراءات التي تضمنتها. غير أن الغارات أظهرت، على ما يبدو، أن العلاقة بين هذه البنود والواقع الميداني لا تزال ملتبسة؛ فالأردن يشارك في هندسة التهدئة، لكنه يضرب عندما يرى أن خطر التهريب لم ينحسر، فيما تتحرك دمشق سياسياً ضمن مسار التنسيق، من دون وجود فعلي على أرض المحافظة.
هنا لا تتعلق المسألة بقوة التنسيق بين عمّان ودمشق أو ضعفه، بل بطبيعة المنطقة التي يجري حولها هذا التنسيق. فمكافحة التهريب تتحول في السويداء إلى مساحة تداخل بين ترتيبات سياسية متفق عليها ووقائع أمنية تقع خارج قبضة دمشق المباشرة، ما يجعل الردع الأردني جزءاً من معادلة أوسع من مجرد ضبط الحدود.
ما بعد سقوط النظام... لماذا بقيت الشبكات؟
وليست الضربات الأردنية في الجنوب طارئة على هذا المسار. فمنذ عام 2023، تعامل الأردن مع ريف السويداء وامتداداته في درعا بوصفهما جزءاً من العمق اللوجستي لشبكات التهريب. غير أن العملية الحالية تجري في ظروف مختلفة: علاقة أكثر انفتاحاً مع السلطة السورية الجديدة، وخريطة طريق للسويداء، ومشهد محلي أكثر وضوحاً في خروجه عن سيطرة دمشق. لذلك لا تكمن دلالتها في التكرار العسكري بقدر ما تكمن في البيئة السياسية التي جرت داخلها.
ويؤكد استمرار الضربات أن ملف المخدرات والتهريب سيبقى هاجساً أمنياً للدول المجاورة، ولا سيما الأردن، حتى بعد نحو عام ونصف العام من سقوط النظام السابق. لكنه يكشف، في العمق، ما هو أبعد من الحدود: استمرار التوتر السياسي بشأن السويداء، وعدم حسم الرؤية الإقليمية لطريقة التعامل مع معضلتها، بين سلطة مركزية حاضرة سياسياً ومحدودة ميدانياً، وسلطة أمر واقع محلية، وحسابات أردنية وإسرائيلية متداخلة في الجنوب.
وعليه، فإن السؤال لم يعد لماذا تستمر الغارات الأردنية تحت عنوان مكافحة المخدرات، بل لماذا لم يؤدِّ سقوط النظام السابق إلى تفكيك البيئة السياسية والأمنية التي تسمح لهذه الشبكات بالبقاء؟ فالمعضلة لم تعد في خطوط التهريب وحدها، بل في فراغ السلطة وتضارب الأجندات، وفيما إذا كانت هناك قوى داخلية أو خارجية تجد في استمرار هذا الفراغ فرصة لمواصلة الضغط وإعادة تشكيل معادلات الجنوب.
نبض