لماذا تتكرّر الاستهدافات الإسرائيلية للرموز المسيحية؟
بعد حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح في جنوب لبنان، تعود قضية الاستهدافات الإسرائيلية للرموز المسيحية إلى الواجهة، في سياق سلسلة اعتداءات أثارت موجات استنكار واسعة. هذه الواقعة التي وصفها رؤساء الكنائس في القدس بأنها "انتهاك خطير للرموز الدينية وكرامة المؤمنين"، تطرح تساؤلات متجددة بشأن خلفيات تكرار هذه الاستهدافات، وما إذا كانت تعكس سلوكيات فردية أم ترتبط بنزعات أعمق داخل التيارات المتطرفة في إسرائيل.
وتعيد هذه الحادثة التي انتشرت صورها على نطاق واسع، تسليط الضوء على نمط متكرر من الاعتداءات والانتهاكات التي طالت المسيحيين في الأراضي المقدسة. ووسط ذلك، يُطرح سؤال جوهري: لماذا كل هذا التطاول والكره للمسيحيين تحديداً؟
تطور النزعة المتطرفة
على مرّ السنين، ساهم حاخامات اليهود في تعميق النزعة "اليهودية المتطرفة"، ووسّعوا نطاق التمييز الحاد بين اليهود كشعب مختار (مقدس) يحل فيه الإله من جهة، و"الأغيار" من غير اليهود من الشعوب التي تقع خارج دائرة القداسة من جهة أخرى، علماً أنه لا موقف موحداً تجاههم في الشريعة اليهودية (الهالاخاه).
توسّع التمييز وتمدد مع الزمن، ووصل إلى اعتبار "الأغيار" كاذبين في طبيعتهم، ولا يجوز مشاركتهم الطعام أو الزواج منهم أو الاحتفال بأعيادهم، وتحوّل الرفض إلى عدوانية واضحة. فالتلمود اليهودي، المصدر الأول للشريعة اليهودية قبل الحداثة، والذي يحتوي على التعاليم والأخلاقيات، يدعو دعوة صريحة إلى "قتل الغريب" حتى لو كان أحسن الناس خلقاً.
تسببت هذه العدوانية اللاعقلانية بكثير من الحرج لليهود، الأمر الذي دعاهم إلى إصدار طبعات من التلمود بعد استبدال كلمة "مسيحي" بـ"مصري" أو "سامري". وأصبح التمييز ذا طابع إنتولوجي في التراث القبّالي، خصوصاً في الاتجاه ذي النزعة المتطرفة، حيث يُنظر إلى اليهود باعتبار أن أرواحهم مقدسة، فيما يُنظر إلى "الأغيار" على أن أرواحهم من المحارات الشيطانية والأشرار، وحتى "الخيرون منهم" لهم أجساد أغيار بأرواح يهودية لكنها ضلّت سبيلها.
خارج دائرة القداسة
جعل هذا التقسيم اليهود وكأنهم يقفون داخل دائرة القداسة، فيما يقف الأغيار خارجها، ووضع اليهودي فوق التاريخ وخارج الزمان، ما جعله يرى كل شيء على أنه مؤامرة موجهة ضده، أو بنظرة معاكسة كل شيء موظف لخدمته، وتحوّل الآخرون في كل زمان ومكان إلى أشرار مدنّسين يستحيل الدخول معهم في علاقة.
مع إنشاء الحركة الصهيونية ودخول مشروعها حيّز التنفيذ، ظهر التيار الصهيوني العنصري الذي يعتبر العرب، أياً كانوا، من "الأغيار"، وجعل من الفلسطينيين – وينطبق ذلك على الآخرين من مسلمين ومسيحيين – بلا ملامح أو هوية واضحة.
إضافة إلى إنكار اليهود مجيء السيد المسيح وشماتتهم خلال محاكمته ومن ثم صلبه، كما تظهر في بعض نصوص التلمود وكتابي "هزوه" و"عيتس هاحييم"، تطور الفكر الصهيوني مع مؤسس الحركة الصهيونية الاستيطانية المعروفة بـ"الصهيونية الدينية"، الحاخام أبراهام كوك (الذي يترأس حزبه الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش).
من بين ما كتب كوك عن المسيحية: "في صغري كنت أشعر بنتانة المرحاض في أماكن الصلاة التابعة للغوييم، على الرغم من أنها كانت نظيفة جداً في الظاهر، وتقع في حديقة مزروعة بالأشجار".
أما ابنه، الحاخام تسفي يهودا كوك، فهو من بلور أيديولوجيا الحركة الاستيطانية "غوش إيمونيم"، التي أنتجت البنية الفكرية للأحزاب الاستيطانية التي تحكم إسرائيل اليوم.
ربط الحاخام كوك بين التوبة والخلاص بالصهيونية، وركّز على أن مجيء السيد المسيح لن يمنح اليهود الخلاص، بل إن الاستيطان في "أرض إسرائيل" من خلال الصهيونية هو الذي سيمنحهم هذا الخلاص.
بحسب المؤرخين اليهود، لا يؤمن اليهود بأن المسيح هو ابن الله، فيما يعتبر المسيحيون رفض اليهود لألوهية السيد المسيح تكبّراً. لذلك، دأبت الكنيسة عبر العصور على تحميلهم مسؤولية صلب المسيح، من دون إدراك أن الرومان هم من تسببوا في قتله وصلبه لأن بعض قادتهم رأى فيه تهديداً لسلطتهم.
لذلك كان اليهود ضحية أفكار مسبقة وآراء شائعة، وتعرضوا لقسوة جسدية، وتمت مصادرة ممتلكاتهم، وأصبحوا يشعرون بالعزلة عن بقية الشعوب الأوروبية المسيحية، بينما سعوا للحفاظ على ديانتهم وتقاليدهم، خاصة في وقت أصبح فيه الدين جزءاً من الهوية ويؤثر مباشرةً على الحياتين العامة والخاصة.

إهانة المسيحيين في القدس
يتعرض الكهنة والرهبان المسيحيون للإهانة والاضطهاد في مدينة القدس من قبل متطرفين يهود، يقومون بالبصق عليهم وتوجيه الشتائم لهم خلال الأيام العادية والأعياد المسيحية، خصوصاً "الفصح".
يتعقبون الكهنة المسيحيين، ويبصقون على ثيابهم وعلى وجوههم، ويصرخون في وجوههم "يا شيطان"، كما يبصق بعض اليهود المتدينين ثلاث مرات كلما رأوا صليباً، ويتلون من الأصحاح السابع، الآية 26 من سفر التثنية، أحد أسفار "التاناخ – التوراة": "لا تدخل رجساً إلى بيتك لئلا تكون محرماً مثله، تستقبحه وتكرهه لأنه محرم مثله".
يعتبرون ذلك مبرراً للانتقام من اضطهاد رجال الدين المسيحيين ضدهم في أوروبا، وهو سلوك يرتكبه الأطفال والشبان والرجال والنساء من اليهود المتشددين "الحريديم"، وكذلك من التيار الديني القومي الاستيطاني.
ويتسللون تحت جنح الظلام إلى المقابر المسيحية والأديرة، ويحطمون شواهد القبور، ويدنسونها، ويكتبون عبارات مسيئة وعنصرية.
معاداة المسيحية
يقول الدكتور نبيه بشير، المتخصص في اللاهوت اليهودي والصهيونية الدينية، لـ"النهار": "إجمالاً، الموقف اللاهوتي اليهودي قديماً وحديثاً من المسيحية يُعد معادياً إلى حد كبير، ويتسم في كثير من جوانبه بملامح عدائية مميزة، وذلك لأن المسيحية نشأت أساساً من رحم اليهودية، لكنها تطورت لاحقاً وأخذت طابعاً دينياً منفصلاً".
ويتابع بشير: "هناك نقطة مركزية تفسر هذا العداء، وتتمثل في أن المسيحية تسعى إلى وراثة اليهودية، إذ يُنظر إلى تقديس المسيحية للعهد القديم على أنه محاولة لوراثة الكتاب المقدس اليهودي، إضافة إلى أن المسيحية أبطلت مفعول الدين اليهودي ووصاياه في أعقاب رسالة يسوع".
ويضيف: "إضافة إلى العوامل التاريخية، فإن اليهود اليوم يستحضرون ملاحقاتهم وأعمال البطش بهم في البلاد الأوروبية المسيحية كأنها نابعة من دوافع دينية مسيحية ضد اليهودية، لا لأهداف سياسية أو اقتصادية".

ويشير بشير إلى أنه، على صعيد الفقه اليهودي، تُعد المسيحية أحد مظاهر عبادة الأوثان، وهناك فرائض دينية تفرض على اليهودي محاربتها.
ويلفت إلى فريضة "لو تِحَنَّم"، أي "إبادة الأغيار"، ولا سيما المسيحيين ورموز المسيحية، وهي مجموعة من التحريمات في الشريعة اليهودية، ومصدرها الفريضة التوراتية الواردة في سفر التثنية، والتي تتحدث عن تحريم الشعوب المقيمة في "أرض إسرائيل" التي تعبد الأوثان، وعبارة "لا تقطع لهم عهداً ولا تصاهرهم"، وتُترجم عادة إلى "ولا تشفق عليهم"، لكن جوهرها هو تحريم اندماج اليهود بهذه الشعوب.
ويرى المتخصص في اللاهوت اليهودي أن "الجيش الإسرائيلي يعاني في العقود الثلاثة الأخيرة من ظاهرة تغوّل المتدينين اليهود على أهم الوحدات القتالية فيه، ولهذا نلمس العديد من الأعمال الإجرامية والانتقامية التي يقدم عليها الجنود لدوافع دينية محضة لا هدف عسكرياً لها".
ويخلص إلى أنه، حين تظهر مثل هذه الأعمال أمام الرأي العام الغربي، تقوم السلطات الإسرائيلية بالتحايل والقول إنها حالات فردية، ولا تمثل النظرة الإسرائيلية العامة، أو إنها تحقق في الموضوع، في محاولة لصد الانتقادات التي قد تظهر من مؤسسات مسيحية في أوروبا وأميركا، لا سيما الإنجيليين الصهاينة في الولايات المتحدة، حفاظاً على مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية.
ويختم بشير بأن كل ذلك لا ينفي وجود نظرة جوهرية معادية للمسيحية كعقيدة، وكديانة ارتبطت تاريخياً بأوروبا التي نكّلت باليهود.
نبض