تلوث دجلة يقطع المياه في بغداد... ونفوق جماعي للأسماك
بغداد – محمد البغدادي
يشهد نهر دجلة، أحد أهم الشرايين الحيوية في العراق، تدهوراً بيئياً غير مسبوق يهدد الأمن المائي والغذائي، بعد تسجيل ارتفاع حاد وخطير في مستويات التلوث خلال الفترة الأخيرة. هذا التدهور لم يعد مجرد مؤشر بيئي مقلق، بل تحوّل إلى أزمة فعلية انعكست مباشرة على حياة السكان في بغداد، حيث اضطرت الجهات المعنية إلى قطع إمدادات المياه عن عدد من المناطق منذ نحو أسبوع، نتيجة تلوثها وعدم صلاحيتها للاستخدام البشري.
نفوق جماعي... مؤشر الانهيار البيئي
تتفاقم خطورة المشهد مع تسجيل نفوق آلاف الأطنان من الأسماك على امتداد مقاطع من النهر، في ظاهرة تعكس حجم الاختلال البيئي الحاصل. ويرجّح مختصون أن يكون السبب ارتفاع نسب الملوثات الكيميائية والعضوية، إلى جانب تصريف المخلفات الصناعية ومياه الصرف الصحي غير المعالجة، فضلاً عن انخفاض مناسيب المياه، ما يضاعف تركيز السموم ويحدّ من قدرة النهر على التنقية الذاتية.
وأثارت هذه التطورات موجة تحذيرات واسعة في الأوساط البيئية والصحية، إذ يؤكد خبراء أن استمرار الوضع ينذر بكارثة مزدوجة: بيئية تهدد التنوع الأحيائي، وصحية قد تعرّض السكان لمخاطر التسمم والأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة. كما تبرز مخاوف من تداعيات اقتصادية على قطاع الصيد ومصادر رزق آلاف العائلات.

تراكمات سنوات وأزمة مناسيب
ويقول الخبير البيئي والمائي عادل المختار، لـ"النهار"، إن "المؤشرات الحالية تدل على دخول النهر مرحلة حرجة بيئياً، بعد تسجيل ارتفاع كبير في تراكيز الملوثات العضوية والكيميائية، خصوصاً في المقاطع التي تمر داخل المدن والمناطق الصناعية. المشكلة لا ترتبط بمصدر واحد، بل هي نتيجة تراكمات لسنوات من تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة، ورمي المخلفات الصناعية، إضافة إلى التجاوزات على مجرى النهر".
ويضيف أن "انخفاض مناسيب المياه لعب دوراً محورياً في تفاقم الأزمة، إذ قلّص قدرة النهر على التخفيف الطبيعي للملوثات، ما أدى إلى زيادة تركيز السموم ونقص مستويات الأوكسجين الذائب، وهو ما يفسر حالات النفوق الجماعي للأسماك. وبعض هذه الملوثات قد يكون ساماً أو ناتجاً عن ازدهار الطحالب الضارة، وهي ظواهر تتطلب فحوصات دقيقة لتحديد مصادرها".
ويحذّر المختار من أن "استمرار استخدام المياه الملوثة، للشرب أو الزراعة، قد يؤدي إلى تداعيات صحية خطيرة، تشمل الأمراض المعوية والتسممات، فضلاً عن تأثيرات بعيدة المدى على الصحة العامة"، مشدداً على ضرورة "إعلان حالة طوارئ بيئية، ووقف مصادر التلوث فوراً، وتشديد الرقابة على المصانع، وتسريع تشغيل محطات المعالجة، وإطلاق رصد يومي لنوعية المياه".
واسط: كارثة بيئية تتسبب في نفوق ملايين الأسماك بعد تلوث نهر دجلة pic.twitter.com/qfajIFwQat
— منصة كور (@coriqnet) April 9, 2026
إجراءات طارئة وخطة احتواء
من جهته، يقول المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية خالد شمال، لـ"النهار"، إن "الوزارة تعاملت مع الحادثة كحالة طارئة تتطلب استجابة فورية، بعد تسجيل مؤشرات خطيرة تمثلت بارتفاع نسب التلوث ونفوق كميات كبيرة من الأسماك".
ويوضح أن "الفرق الفنية باشرت منذ الساعات الأولى بإجراء مسوحات ميدانية وأخذ نماذج لتحليلها، بالتنسيق مع وزارة البيئة والجهات الصحية، بهدف تحديد مصادر التلوث بدقة، سواء كانت صناعية أو ناتجة عن مياه صرف صحي غير معالجة". كما يشير إلى "زيادة الإطلاقات المائية بشكل مدروس لتحسين نوعية المياه وتقليل تراكيز الملوثات".
ويؤكد شمال أن "قرار قطع المياه عن بعض مناطق بغداد جاء كإجراء احترازي لحماية المواطنين، على أن تُستأنف الإمدادات فور تحسّن المؤشرات النوعية"، لافتاً إلى خطة طوارئ تشمل تشغيل محطات ضخ بديلة وتأمين مصادر مائية إضافية بالتعاون مع الحكومات المحلية.
ويختم شمال بأن "الأزمة كشفت الحاجة الملحّة لتسريع مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي، ومنع رمي المخلفات الصناعية، وتعزيز الرقابة البيئية ومنظومات الرصد المبكر"، مشدداً على أن "حماية نهر دجلة مسؤولية مشتركة".
في ظل هذه المعطيات، تتجه الأنظار إلى قدرة الإجراءات الحكومية على احتواء الأزمة، وسط مطالبات بتشديد الرقابة وتنفيذ حلول جذرية سريعة، لمنع تفاقم التلوث والوصول إلى نقطة اللاعودة.
نبض