100 غارة إسرائيلية على لبنان خلال دقائق… هل يطيح "الظلام الأبدي" باتفاق أميركا - إيران؟
في واحدة من أعنف موجات القصف خلال وقت قياسي، وربما منذ اجتياح العام 1982، أعلن الجيش الإسرائيلي إطلاق عملية جديدة تحت اسم "الظلام الأبدي"، نفّذ خلالها نحو 100 هجوم خلال 10 دقائق في الجنوب والبقاع وبيروت، في تصعيد غير مسبوق من حيث الكثافة والتزامن، أسفر عن سقوط مئات الضحايا المدنيين.
لكن أهمية هذا التصعيد لا تقتصر على حجمه، بل على توقيته الذي أتى بعد ساعات فقط من إعلان هدنة الأسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، ما وضع الاتفاق أمام اختبار فوري منذ لحظاته الأولى، ليس من حيث استمراره فقط، بل من حيث تفسيره أيضاً.
منذ البداية، برز السؤال المركزي: هل الهدنة شاملة لكل الجبهات، أم محصورة بالمواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران؟
حواب واشنطن جاء سريعاً. فقد أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن لبنان "غير مشمول بالاتفاق"، معتبراً أن النزاع بين إسرائيل و"حزب الله" هو "اشتباك منفصل".
في المقابل، يتمسك الطرف الإيراني برواية معاكسة تماماً، ما يحوّل الهدنة من تفاهم واضح إلى نص قابل لتفسيرين متناقضين.
جوهر الخلاف… من النص إلى الميدان
لم يبقَ هذا التباين في حدود التصريحات، بل انتقل مباشرة إلى الميدان. فالضربة الإسرائيلية الواسعة جاءت لتترجم عملياً التفسير الإسرائيلي – الأميركي للاتفاق، القائم على فصل الجبهات، واعتبار لبنان خارج نطاقه.
لكن هذا التفسير يصطدم مباشرة بالموقف الإيراني. وبحسب معلومات "النهار"، لم يكن الخلاف مستجداً، بل كان أحد أسباب تأخير الإعلان عن الاتفاق، نتيجة إصرار طهران على شمول كل الجبهات، وفي مقدمها لبنان، ضمن أي وقف لإطلاق النار.
تصعيد إيراني… من التحذير إلى التهديد
هذا الإصرار تحوّل إلى موقف معلن. فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن "وقف الحرب في لبنان جزء من الاتفاق مع الولايات المتحدة"، معتبراً أن ما يجري يشكل "انتهاكاً صارخاً" له.
ولم يكتفِ عراقجي بتوصيف الخرق، بل وضعه في سياق سياسي مباشر، محذراً من "عواقب وخيمة"، ومؤكداً أن على واشنطن "الاختيار بين وقف إطلاق النار أو استمرار الحرب عبر إسرائيل، ولا يمكنها الجمع بينهما".
بهذا المعنى، لم تعد المسألة خلافاً على بند تقني، بل تحوّلت إلى مواجهة حول من يحدد نطاق الاتفاق: النص أم التطبيق.
هذا التصعيد في الخطاب ترافق مع مؤشرات ميدانية أكثر تقدماً. فقد نقلت وكالة "تسنيم" عن مصدر مطلع أن إيران تدرس الانسحاب من الاتفاق في حال استمرار الهجمات، وأن القوات المسلحة بدأت تحديد أهداف للرد.
بالتوازي، أصدر الحرس الثوري الإيراني بياناً رسمياً وجّه فيه إنذاراً مباشراً إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، ملوحاً برد "يجعل المعتدين يندمون".
كما ذهب قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري العميد مجيد موسوي أبعد من ذلك، معتبراً أن "الاعتداء على حزب الله هو اعتداء على إيران"، ومؤكداً أن "الميدان يستعد لرد قاسٍ".
هنا ينتقل المشهد من احتمال التصعيد إلى وضعه كخيار مطروح فعلياً.

"حزب الله": بين الالتزام والتحذير
على الضفة اللبنانية، يعكس موقف "حزب الله" بدوره هذا التوتر.
فمن جهة، أوقف الحزب عملياته بعد إعلان الهدنة، ما يوحي بتعامله معها كاتفاق يشمل لبنان.
ومن جهة أخرى، جاء بيانه بعد الضربات ليؤكد أن ما جرى "مجازر" و"جرائم حرب"، مشدداً على أن "دماء الشهداء لن تذهب هدراً"، وأن الرد حق مشروع.
كذلك، دعا السكان إلى عدم العودة إلى المناطق المستهدفة، ما يعكس تقديراً بأن التصعيد لم ينتهِ، وأن المرحلة لا تزال مفتوحة.
هذا التوازن بين الالتزام والتحذير يعكس ربط موقف الحزب مباشرة بمسار الاتفاق نفسه.
اتفاق بلا تعريف موحّد
في ضوء هذه المواقف، يتضح أن الخلاف لم يعد بشأن تفاصيل الاتفاق، بل حول تعريفه نفسه.
• واشنطن تفصل بين إيران ولبنان
• طهران تربط الجبهتين
• إسرائيل تفرض تفسيرها ميدانياً
وبين هذه المقاربات الثلاث، تبدو الهدنة أقرب إلى تفاهم هش يقوم على نص غير موحّد، أكثر منها اتفاقاً واضح المعالم.
إلى أين؟
حتى الآن، لا مؤشرات على أي تراجع إسرائيلي، بل على العكس، تستمر العمليات، ما يعزز فرضية تثبيت وقائع ميدانية قبل أي تسوية.
في المقابل، تشير التهديدات الإيرانية إلى أن استمرار هذا المسار قد يدفع نحو رد مباشر، أو إعادة ربط الجبهات، ما يفتح الباب أمام توسع المواجهة.
وعليه، فإن الهدنة قائمة شكلياً، لكنها تتعرض لاختبار فعلي منذ ساعاتها الأولى. فبين موقف أميركي يفصل الجبهات، وموقف إيراني يربطها، وتصعيد إسرائيلي يفرض وقائع ميدانية، يبدو أن مصير الاتفاق لن يُحسم في نصوصه، بل في كيفية تطبيقه على الأرض، وتحديداً في لبنان.
نبض