من فلسطين إلى السفارات... كيف انزلق الشارع في دمشق؟

المشرق-العربي 07-04-2026 | 05:50

من فلسطين إلى السفارات... كيف انزلق الشارع في دمشق؟

 المشهد في دمشق اتخذ مساراً أكثر تعقيداً حين انتقلت بعض التحركات من الهتاف لفلسطين إلى الاعتداء على رموز ديبلوماسية ووطنية عربية.
من فلسطين إلى السفارات... كيف انزلق الشارع في دمشق؟
تظاهرة منددة بقرار إعدام الأسرى الفلسطينيين، في سوريا. (سانا)
Smaller Bigger

عملت دمشق سريعاً على احتواء الاعتداء الذي طال سفارة الإمارات العربية المتحدة فيها، وما رافقه من إساءات إلى الملك الأردني ورموز وطنية عربية أخرى. وأجرى الرئيس السوري أحمد الشرع اتصالاً برئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد، وأصدرت وزارة الخارجية مواقف هدّأت من وقع الحادثة، فيما أعلنت وزارة الداخلية توقيف المتورطين، وقالت إنهم من أنصار النظام السابق.


وجاءت هذه التطورات في سياق التظاهرات التي خرجت في مدن سورية عدة احتجاجاً على القانون الإسرائيلي الخاص بإعدام الأسرى الفلسطينيين. لكن المشهد في دمشق اتخذ مساراً أكثر تعقيداً حين انتقلت بعض التحركات من الهتاف لفلسطين إلى الاعتداء على رموز ديبلوماسية ووطنية عربية، وكان ما جرى أمام سفارة الإمارات أبرز مشاهد هذا الانزلاق. ثم ظهرت دعوات نَفير من مجموعات مسلحة في ريف دمشق ودرعا للقتال دفاعاً عن الفلسطينيين، في مشهد أوحى بقدر من التنسيق الميداني، من دون أدلة مباشرة تثبته.

 

فوضى الدعوات وتعدد الجهات
ورصدت "النهار" أن أحد أبرز الداعين إلى التظاهرات يدعى أبو دجانة غياث، وهو نفسه سبق أن دعا إلى مظاهرات "أم الخبائث" رداً على الاعتصام الذي شهده حي باب توما على خلفية قرار بيع الكحول. وسرعان ما تحول المشهد إلى ساحة اتهامات متبادلة طالت "جماعة الإخوان المسلمين"، و"حزب التحرير"، وفصائل فلسطينية سابقة دارت في فلك "محور المقاومة".


وزاد غياب أي جهة تبنّت الدعوة إلى التظاهرات بصورة رسمية من إرباك الصورة. ففي وقت نشر أحمد زيدان، المستشار الإعلامي للرئاسة السورية، خبر وكالة "سانا" عن التظاهرات وعلّق عليه بعبارة "المظلوم للمظلوم قريب ونسيب"، انتشرت في المقابل مقاطع لعدد من المؤثرين تحذر من هذه التحركات ومن دعوات النفير، وتعتبر أنها لا تخدم السلطة السورية، بل تندرج في إطار محاولة لإحراجها أو قلب الطاولة عليها.

 

رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد مستقبلاً نظيره السوري أحمد الشرع في أبو ظبي، في تموز الماضي. (وام)
رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد مستقبلاً نظيره السوري أحمد الشرع في أبو ظبي، في تموز الماضي. (وام)

 

من التضامن... إلى الانفلات الأمني
هذا الانحراف في مسار الاحتجاجات لم يحجب حقيقة أن تظاهرة دمشق انطلقت أصلاً في ظروف معقدة وحساسة، تزامن فيها الغضب لفلسطين مع الضغوط المعيشية وبدء محاكمة القيادي الإسلامي السوري عصام بويضاني في الإمارات. وألقى هذا التزامن بثقله على المشهد، ولا سيما مع انتقال الهتافات من العنوان الفلسطيني العام إلى التوجه ضد الإمارات، ثم إلى الإساءة للأردن كما حدث في تظاهرة سوق الحميدية. عند هذه النقطة، لم تعد القضية مجرد تظاهرة تضامنية، بل صارت ساحة تختلط فيها فلسطين، وملف بويضاني، وحسابات الشارع السوري في لحظة انتقالية شديدة الحساسية.


ثم جاءت دعوات النفير من زاكية ودرعا لتضيف طبقة جديدة من التوتر. بعض هذه المجموعات اعتذر وتراجع، وأعلن أنه لن يحمل السلاح من دون قرار من الدولة، فيما التزمت مجموعات أخرى الصمت، وظهرت مساء الأحد دعوات جديدة في الجنوب. وأظهر هذا التطور أن الانتقال من الشعار إلى لغة السلاح لا يزال ممكناً، وإن على مستوى التعبئة المحدودة أو الرمزية، وأن المجال العام لم ينفصل تماماً بعد عن البيئات المسلحة المحلية. وتزداد خطورة هذا المشهد في الجنوب تحديداً، لأن أي ظهور لمجموعات مسلحة هناك قد يمنح إسرائيل مادة جاهزة لتبرير تحركها أو تصعيدها في المنطقة.

 

اتهامات متضاربة وقراءة سياسية
ومنح تركيز الاستهداف على الإمارات والأردن الاتهامات التي اتجهت إلى "الإخوان المسلمين" و"حزب التحرير" وجاهة سياسية يصعب تجاهلها. فالدولتان ترتبطان، في الوعي السياسي السائد، بخط واضح في مواجهة الإسلام السياسي، كما أن صور الحدث نفسه، من الرايات الدينية ورايات التوحيد إلى الصلاة أمام السفارة، دفعت كثيرين إلى قراءة المشهد من هذه الزاوية.


لكن هذا الخيط لا يسير في اتجاه واحد، لأن "الإخوان" يرتبطون سياسياً بقطر وتركيا، وهما من أكثر الدول دعماً للسلطة الجديدة في دمشق. وتكشف هذه المفارقة حجم التعقيد في لحظة قد تتحرك فيها شبكات محلية أو دينية أو فصائلية داخل هامش لا يطابق بالضرورة حسابات الدول الحليفة أو الراعية.


في المقابل، طرحت وزارة الداخلية رواية مختلفة بعد توقيف شخصين والحديث عن ارتباطهما بالنظام السابق. هذه الصياغة بقيت فضفاضة، ولم تتضمن أسماء المتورطين أو انتماءاتهم، بخلاف ما فعلته بعض المواقع والصفحات القريبة من السلطة، التي وجهت الاتهام إلى فصيل أحمد جبريل الفلسطيني.


وهنا يدخل المشهد في طبقة إضافية من الالتباس، لأن مجموعات فلسطينية عدة دارت سابقاً في فلك "محور المقاومة". وقد يفسر ذلك إحجام الداخلية عن تسمية الجهة المتهمة مباشرة، تجنباً لإحراج سياسي يتمثل في توجيه الاتهام إلى فلسطينيين في لحظة تعبئة شعبية عنوانها فلسطين نفسها.


توصيف لافت
من جهتها، لم تكتف الإمارات بالإدانة القانونية للاعتداء على مبنى سفارتها، بل أرفقت موقفها بتوصيف سياسي لافت. فقد وصف المستشار الديبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش ما جرى بأنه فعل "جماعة متطرفة صغيرة" تتحرك ضمن أجندة مرفوضة. وهذه العبارة تبتعد عن قاموس "الفلول"، وتميل أكثر إلى توصيف جماعة عقائدية أو أيديولوجية محدودة.


وفي الوقت نفسه، حافظت أبوظبي ودمشق على خط تهدئة واضح، ما أبقى الحادثة في إطار اختبار أمني وسياسي داخل سوريا، لا في إطار مواجهة مفتوحة بين دولتين.

 

امتداد إقليمي وتعقيد داخلي
وجاء كل ذلك فيما كانت إسرائيل ترفع سقف حديثها عن تهريب السلاح من سوريا إلى "حزب الله"، وتهدد منطقة معبر المصنع على الحدود السورية - اللبنانية بدعوى استخدامه لأغراض عسكرية. وفي هذا السياق، بدت دعوات النفير والمظاهرات جزءاً من مشهد أوسع يمتد من الحرب على إيران إلى الجبهة اللبنانية، ومن حسابات الضبط الداخلي إلى حسابات خطوط الإمداد والرسائل المتبادلة في الإقليم.


تكمن أهمية ما جرى في تركيبته أكثر من حجمه المباشر. فقد أظهر أن عنواناً جامعاً مثل فلسطين قادر، في لحظة واحدة، على استيعاب غضب شعبي حقيقي، إضافة إلى دعوات نَفير محلية، واتهامات متبادلة بين الإسلاميين وأنصار النظام السابق والفصائل الفلسطينية القديمة، من دون أن تستقر الصورة سريعاً على معنى واحد. وهذا ما تعكسه المرحلة السورية الحالية: ساحة لا تزال  قيد التشكل، وشوارع قابلة للتعبئة السريعة، وسلطة تحاول ضبط الإيقاع قبل أن يتحول أي احتكاك محدود إلى عبء سياسي وأمني أكبر من حجمه.


الأكثر قراءة

الخليج العربي 4/5/2026 12:21:00 PM
السعودية: نُدين الإساءات غير المقبولة للرموز الوطنية للإمارات أثناء الاعتداء على سفارتها 
الخليج العربي 4/5/2026 4:30:00 PM
قرقاش: لا يسعني إلا أن أُحيّي صمود وثبات مملكة البحرين الشقيقة
الخليج العربي 4/5/2026 1:44:00 PM
الاعتداءات تسببت بأضرار مادية جسيمة... ولم تُسجَّل أي إصابات بشرية.