تفويض "حق الرد" في العراق: دفاع مشروع أم تورّط في الحرب الإقليمية؟
بغداد – محمد البغدادي
دخل العراق مرحلة أمنية شديدة الحساسية، مع قرار المجلس الوزاري للأمن الوطني منح هيئة الحشد الشعبي وبقية الأجهزة الأمنية تخويلاً بالعمل وفق مبدأ "حق الرد والدفاع عن النفس"، للتصدي للهجمات التي تستهدف مقارها وقواعدها، في ظل التصعيد الإقليمي غير المسبوق المتزامن مع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
ويأتي القرار في توقيت بالغ التعقيد، حيث تتقاطع على الساحة العراقية مصالح دولية وإقليمية متضاربة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حيال طبيعة الدور العراقي في الصراع، وحدود هذا التفويض، وانعكاساته على السيادة والأمن الداخلي والعلاقات الخارجية.
تفويض دفاعي أم انخراط في الحرب؟
رسمياً، يندرج القرار ضمن إطار حماية القوات والمنشآت العسكرية من الهجمات المتكررة. غير أن مبدأ "الدفاع عن النفس" في السياق العسكري لا يقتصر على الإجراءات الدفاعية، بل قد يشمل عمليات رد ميداني خارج نطاق الموقع المستهدف، ما يفتح الباب أمام احتمال توسع دائرة الاشتباك داخل الأراضي العراقية أو انطلاقاً منها.
من هنا، يبرز نقاش قانوني وسياسي عمّا إذا كان العراق لا يزال في موقع المتأثر بالصراع، أم أنه بدأ يتحوّل إلى طرف منخرط فيه بصورة غير مباشرة.
فجوة القدرات وحدود التطبيق
تتزايد أهمية هذا النقاش في ظل محدودية منظومات الدفاع الجوي العراقية، التي لا تزال تعتمد على قدرات جزئية مقارنة بحجم التهديدات الجوية الحديثة.
هذا الواقع يطرح سؤالاً عملياً: هل يمتلك العراق القدرة الفعلية على تطبيق مفهوم "الدفاع عن النفس" بصيغته العسكرية، أم أن القرار يشكل بالدرجة الأولى غطاءً قانونياً لتنظيم الردع، أكثر منه تحولاً حقيقياً في ميزان القوة؟

مخاطر التفسير والتصعيد
يثير التفويض أيضاً مخاوف من إمكانية تفسيره من قبل بعض فصائل الحشد الشعبي كشرعنة مفتوحة لأي رد عسكري ضد ما تعتبره "مصادر تهديد"، بما في ذلك المصالح أو القواعد الأجنبية داخل العراق، ولا سيما الأميركية.
هذا الاحتمال يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على سيادة القرار الأمني، مقابل تجنب تحويل البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
يقول الخبير العسكري والاستراتيجي علي ناصر، لـ"النهار"، إن "التوجيه يمثل رسالة واضحة بأن الرد على أي هجوم بات مطروحاً، سواء كان داخلياً أو خارجياً، ويعكس تشدداً حكومياً تجاه استهداف المنشآت".
ويضيف أن "الفصائل قد تمتلك قدرات غير معلنة يمكن استخدامها بطرق مختلفة، وليس بالضرورة عبر مواجهة مباشرة مع الطيران الحربي"، مشيراً إلى أن "الرد قد يأخذ أشكالاً غير تقليدية".
ويحذر من أن "هذا التوجه قد يكون سلاحاً ذا حدين: إما كشف قدرات الفصائل، أو الدخول في مواجهة صعبة في حال العجز عن الرد".
من جهته، يرى رئيس مركز الرفد للدراسات الاستراتيجية عباس الجبوري، في حديث لـ"النهار"، أن واشنطن تنظر إلى القرار بجدية عالية، وتعتبره تحولاً في طبيعة العلاقة مع بغداد.
ويشير إلى أن "الجانب الأميركي أبلغ الحكومة العراقية أن مأسسة نفوذ الفصائل تمثل تهديداً للسيادة"، مضيفاً أن منح الحشد حق الرد "قد يُفسَّر كإنهاء لاحتكار الدولة قرار الحرب والسلم".
كذلك، يحذر الجبوري من رسائل أميركية تلوّح بإعادة النظر في المساعدات الأمنية والتعاون العسكري، في حال توسعت صلاحيات الحشد أو استُخدم التفويض لاستهداف القوات الأميركية.
الحسابات الإيرانية: دعم محسوب
في المقابل، يعتبر الجبوري أن طهران تدفع باتجاه تعزيز دور الحشد كخط دفاع أول في ظل الحرب الإقليمية، وترى في القرار "تكريساً لشرعية الرد".
ويضيف أن "إيران تعمل على دعم الفصائل بتقنيات مسيّرة وصاروخية لتعويض ضعف القدرات الجوية، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم دفع الأمور نحو انهيار الحكومة العراقية".
ويشير إلى أن بعض هذه المجموعات قد لا تخضع بشكل كامل لسيطرة القائد العام للقوات المسلحة، ما يزيد من تعقيد المشهد.
خطر الانزلاق
يحذر الجبوري من أن يُفهم القرار دولياً كشرعنة للتصعيد، لا كإجراء دفاعي، لافتاً إلى أن الطرف الآخر "قد لا يميز بين مقر رسمي للحشد ومنصة إطلاق فصائلية"، ما قد يجعل المؤسسات الأمنية أهدافاً مباشرة في أي تصعيد مقبل.
ويأتي هذا التوجيه في ظل تصاعد القصف الذي يستهدف مواقع الحشد الشعبي في مختلف المحافظات. وبحسب مصادر أمنية، بلغ عدد الضربات منذ بدء الحرب نحو 110 هجمات، توزعت على بغداد وبابل ونينوى وصلاح الدين وكركوك وديالى والأنبار، وأسفرت عن أكثر من 80 قتيلاً و140 جريحاً.
نبض