صواريخ إيرانية على البيشمركة في أربيل: هل دخل العراق مرحلة الاستهداف المباشر؟
بغداد – "النهار "
في واحد من أخطر التطورات الأمنية التي يشهدها العراق منذ اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة، تعرّض مقرّان عسكريان لقوات البيشمركة في محافظة أربيل، فجر الثلاثاء، لهجومين منفصلين بستة صواريخ باليستية إيرانية، في تصعيد غير مسبوق استهدف قوات عراقية رسمية بشكل مباشر، وأدّى إلى سقوط 6 قتلى و30 جريحاً وفق البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة البيشمركة في إقليم كردستان العراق.
الهجوم، الذي وقع ضمن حدود منطقة سوران شمال شرقي أربيل قرب الشريط الحدودي، استهدف مقرين عسكريين تابعين للفرقة السابعة مشاة في المنطقة الأولى وقوة من الفرقة الخامسة مشاة، ما أدّى إلى خسائر بشرية مباشرة داخل صفوف القوات المنتشرة في المنطقة. وأكدت السلطات الكردية أن الضربات نفذت بصواريخ باليستية أُطلقت من الأراضي الإيرانية في عمليتين متتاليتين، ووصفتها بأنها "عمل عدائي وغادر" وانتهاك صريح لمبادئ حسن الجوار والسيادة العراقية.
تصعيد نوعي وخطير
يمثل هذا الهجوم تحولاً لافتاً في طبيعة الصراع الدائر في المنطقة، إذ يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أول هجوم إيراني مباشر يؤدي إلى سقوط قتلى في صفوف قوة عسكرية عراقية رسمية منذ توسع المواجهات في الحرب الإقليمية الحالية، بعدما كانت معظم الضربات السابقة تستهدف قواعد أجنبية أو جماعات معارضة إيرانية داخل إقليم كردستان.
سياق إقليمي متوتر
ويأتي الهجوم في ظل تصاعد غير مسبوق للهجمات الصاروخية وغارات الطائرات المسيّرة في الشرق الأوسط منذ أواخر شباط/فبراير 2026، إذ شهد إقليم كردستان وحده عشرات الضربات التي طالت مواقع عسكرية ومدنية وبنى تحتية ومقار أمنية، ضمن موجة عمليات مرتبطة بتوسع المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى.
وخلال الأسابيع الماضية، استهدفت هجمات مشابهة قواعد عسكرية أجنبية ومواقع أمنية في أربيل، إلا أن الضربة الأخيرة تختلف من حيث طبيعة الهدف، إذ طالت هذه المرة قوات عراقية رسمية بشكل مباشر، ما يرفع مستوى المخاطر السياسية والعسكرية داخل البلاد.
تداعيات أمنية وسياسية محتملة
يثير الهجوم مخاوف متزايدة من احتمال توسّع نطاق العمليات الإيرانية داخل الأراضي العراقية على غرار ما يحدث في دول أخرى في المنطقة، وبخاصة مع انتقال الضربات من استهداف أطراف غير حكومية إلى قوات أمنية نظامية. ويرى مراقبون أن استمرار هذا النمط قد يضع العراق أمام تحدّيات معقدة تشمل تهديد توازن الأمن الداخلي في المناطق الحدودية، مع زيادة احتمالات التصعيد العسكري الإقليمي داخل الأراضي العراقية، إضافة الى اتساع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت أو قوات رسمية أخرى.
وقال عضو الحزب الديموقراطي الكردستاني الحاكم في إقليم كردستان وفاء محمد كريم لـ"النهار"، إن "الهجوم الصاروخي الذي استهدف مقراً عسكرياً تابعاً لقوات البيشمركة في محافظة أربيل هو اعتداء خطير وغير مبرّر يشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة العراق واستهدافاً مباشراً لقوة عسكرية رسمية تعمل ضمن المنظومة الدفاعية للدولة العراقية".
وحذر من أن "استمرار مثل هذه الهجمات سيقود إلى زعزعة الاستقرار الأمني في البلاد ويدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من التوتر المفتوح، ولهذا على الحكومة الاتحادية في بغداد اتخاذ موقف واضح وإجراءات ديبلوماسية وقانونية عاجلة لحماية السيادة الوطنية ومنع تكرار الاعتداءات".
وأضاف أن "الهجوم لا يمكن تبريره بأي ذريعة أمنية أو سياسية، واستخدام الصواريخ الباليستية داخل الأراضي العراقية يهدد أمن المدنيين والبنى التحتية ويضع العراق في قلب الصراعات الإقليمية المتصاعدة، وإقليم كردستان يحتفظ بحقه الكامل في الدفاع عن أمنه وسلامة قواته وفق الدستور العراقي والقوانين الدولية".
وختم كريم بقوله إن "على المجتمع الدولي والأمم المتحدة التدخل العاجل للحد من الانتهاكات المتكررة للأراضي العراقية، والعمل على منع توسع دائرة التصعيد العسكري داخل المنطقة، ودماء عناصر البيشمركة الذين سقطوا في الهجوم لن تكون مجرد رقم في سجل الصراعات، بل ستدفع نحو تحركات سياسية وقانونية لضمان عدم تكرار مثل هذه الاعتداءات".
وفي الإطار نفسه اعتبر الباحث في الشأن السياسي والأمني في أربيل ياسين عزيز في حديث إلى"النهار"، أن "الضربة تمثل تصعيداً عسكرياً خطيراً وتجاوزاً واضحاً لكل الخطوط الحمر، ويجب الحذر من أن الصمت الرسمي أو الاكتفاء بالإدانات لن يمنع تكرار الهجمات مستقبلاً. ما جرى ليس حادثاً أمنياً عابراً بل رسالة عسكرية مباشرة مفادها أن العراق أصبح ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية".
وأضاف عزيز أن "خطورة الهجوم لا تكمن فقط في عدد الضحايا والخسائر البشرية، بل في سابقة استهداف تشكيل عسكري معترف به دستورياً، الأمر الذي يضع هيبة الدولة العراقية ومفهوم السيادة أمام اختبار حقيقي، وعلى الحكومة الاتحادية الانتقال من مرحلة بيانات الشجب إلى إجراءات ردع سياسية وأمنية واضحة".
وحذر من أن "استمرار الضربات العابرة للحدود من دون ردّ حازم قد يشجّع على توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل العراق، بما قد يشمل مستقبلاً مواقع أمنية أو بنى تحتية استراتيجية، الأمر الذي ينذر بتدهور واسع في الاستقرار الداخلي وانعكاسات خطيرة على الوضعين الاقتصادي والأمني".
وشدد على أنه "يجب اتخاذ خطوات عاجلة تشمل تحركاً ديبلوماسياً دولياً عبر مجلس الأمن، وتعزيز منظومات الدفاع الجوّي في المناطق الحدودية، وفتح تحقيق رسمي شفاف يحدّد المسؤوليات ويضع آليات لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات. وحماية القوات الأمنية العراقية يجب أن تكون أولوية وطنية غير قابلة للمساومة".
وأكد عزيز أن "العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإما تثبيت مبدأ السيادة ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة صراع، أو مواجهة مرحلة طويلة من التصعيد غير المنضبط. وأي تهاون في التعامل مع الهجوم سيفتح الباب أمام واقع أمني أكثر خطورة وتعقيداً في المرحلة المقبلة".
وبينما تتصاعد الإدانات الرسمية والتحذيرات، يبدو أن الهجوم الصاروخي على أربيل لا يمثل حادثة معزولة بقدر ما يشكل مؤشراً إلى مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي، قد يتحول فيها العراق تدريجاً إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوى المتصارعة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار الأمني وحدود التصعيد الإيراني داخل البلاد خلال المرحلة المقبلة.
نبض