استهداف مقرّ المخابرات… هل ينزلق العراق إلى مواجهة داخلية؟
بغداد - محمد البغدادي
شهدت العاصمة العراقية بغداد تطوراً أمنياً لافتاً عقب استهداف مقر جهاز المخابرات العراقي وسط المدينة، في حادثة أسفرت عن مقتل ضابط، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات عميقة حيال طبيعة التوترات المتصاعدة داخل المشهد الأمني وتعقيدات العلاقة بين مؤسسات الدولة والفصائل المسلّحة الناشطة في البلاد.
يأتي هذا الهجوم بعد أيام قليلة من بيان رسمي أصدره جهاز المخابرات، اتهم فيه جهات لم يسمّها بالوقوف خلف حملة إعلامية منظّمة تستهدف تشويه سمعته والطعن في دوره، ما اعتبره مراقبون مؤشّراً إلى تصاعد حرب الرسائل السياسية والإعلامية بالتوازي مع التطورات الميدانية.
تصعيد متزامن وتداخل داخلي–إقليمي
وبحسب معطيات أمنية أولية وبيانات رسمية مقتضبة، وقع الهجوم في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد العمليات التي تنفذها فصائل مسلّحة ضد أهداف ومصالح أميركية داخل العراق، ولا سيما في بغداد وأربيل، إضافة إلى إعلان بعض تلك الفصائل مسؤوليتها عن عمليات خارج الحدود، في إطار دعم إيران في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
هذا التصعيد المتزامن أثار مخاوف متزايدة لدى الأوساط السياسية والأمنية من احتمال انتقال المواجهة من نطاق الصراع غير المباشر إلى احتكاك أكثر وضوحاً بين أجهزة الدولة العراقية وتلك الفصائل، خصوصاً في ظل تبادل الاتهامات بشأن طبيعة العلاقة بين المؤسسات الأمنية والجانب الأميركي.
وتتحدّث قيادات وأعضاء في بعض الفصائل، وفق تصريحات متداولة، عن مزاعم بوجود تنسيق استخباريّ أو تسريب معلومات أمنية أسهمت في استهداف عناصر تابعة لها، وهي اتهامات تنفيها الجهات الرسمية بشكل غير مباشر، عبر تأكيد استقلال القرار الأمني ورفض الزجّ بالمؤسسات السيادية في صراعات سياسية أو إقليمية.
من الضغط السياسي إلى استهداف الدولة
ويرى محلّلون أن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في طبيعة الهجوم، بل في دلالاته السياسية والأمنية، إذ قد يشير إلى تحول نوعي في مسار التوتر، من ضغط إعلامي وسياسي إلى استهداف مباشر لمؤسسات الدولة، ما يفتح الباب أمام سيناريوات تصعيد أوسع تهدّد الاستقرار الأمني الهشّ في البلاد.
ويقول الخبير في الشأن الأمني والسياسي محمد علي الحكيم، لـ"النهار"، إن "استهداف مقر جهاز المخابرات يمثّل مؤشراً مقلقاً إلى احتمال انتقال التوترات إلى مرحلة أكثر حساسية تمسّ بنية الدولة الأمنية بشكل مباشر". ويضيف أن "الحادثة لا يمكن قراءتها كواقعة معزولة، بل تأتي ضمن سياق تصاعدي من الضغوط المتبادلة والرسائل الميدانية بين أطراف متعددة".
ويشير إلى أن توقيت الهجوم، المتزامن مع استمرار العمليات التي تعلنها فصائل مسلحة ضد أهداف أميركية داخل العراق وخارجه، يعكس تداخل الملفات الأمنية الداخلية مع الصراعات الإقليمية. كذلك، يحذّر من أن تصاعد الخطاب الاتهامي، ولا سيما الحديث عن تنسيق بين أجهزة أمنية عراقية والجانب الأميركي، قد يهيّئ بيئة لتبرير استهداف مؤسسات الدولة.
ويؤكد الحكيم أن أيّ تصعيد ضد الأجهزة الرسمية من شأنه إضعاف هيبة الدولة وتقويض منظومة الأمن الوطني، محذراً من أن انزلاق البلاد إلى مواجهة مباشرة بين مؤسسات رسمية وفصائل مسلّحة سيحمل تداعيات خطيرة على الاستقرار الداخلي وقدرة الحكومة على فرض القانون.

مخاطر تفكك السلطة وتعدد مراكز القرار
من جهته، يعتبر السياسي العراقي مثال الآلوسي أن استهداف مقر جهاز المخابرات يمثل "منعطفاً بالغ الخطورة" في مسار التوتر، مشيراً إلى أن تكرار هذه الهجمات يعكس انتقال بعض الفصائل من الضغط السياسي إلى محاولة فرض معادلات بالقوة.
ويشدد الآلوسي، في حديث مع "النهار"، على أن استهداف مؤسسة سيادية "لا يمكن تبريره تحت أي ظرف"، معتبراً أن "الخطاب الذي يتهم الأجهزة الأمنية بالتنسيق مع جهات خارجية يشكّل أرضية خطيرة لتبرير العنف خارج إطار القانون"، كما يحذّر من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى "تقويض احتكار الدولة لاستخدام القوة، ويفتح الباب أمام تعدّد مراكز القرار الأمني".
ويرى أن العراق يقف أمام اختبار حاسم بين تثبيت سلطة الدولة أو الانزلاق نحو مرحلة تتآكل فيها الحدود بين الفاعل الرسمي وغير الرسمي، بما يحمل مخاطر استراتيجية طويلة الأمد على الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي.
نبض