حرب 2026... كيف تتعامل إسرائيل وإيران ولبنان ودول الخليج مع أخطر صراع إقليمي؟

الخليج العربي 21-03-2026 | 13:34

حرب 2026... كيف تتعامل إسرائيل وإيران ولبنان ودول الخليج مع أخطر صراع إقليمي؟

تكشف حرب 2026 عن تحوّلٍ عميق في طبيعة الدولة في الشرق الأوسط. 
حرب 2026... كيف تتعامل إسرائيل وإيران ولبنان ودول الخليج مع أخطر صراع إقليمي؟
سيدة إيرانية تحمل صورة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، خلال صلاة عيد الفطر بالمسجد الكبير في طهران. (أ ف ب)
Smaller Bigger

ليست الحرب التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026 مجرد مواجهةٍ عسكرية تقليدية بين أطرافٍ إقليمية، بل شكّل اندلاعها لحظةً مفصلية تعيد رسم معالم النظام الإقليمي، ووضعت كل دولة أمام اختبارٍ جدّي يتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة التقليدية. في هذه الحرب، لم تعد المسألة تتعلّق بميزان القوى العسكري فحسب، بل بقدرة الدولة على الصمود داخلياً، والحفاظ على تماسكها المؤسساتي، وإدارة مجتمعها تحت الضغط. هكذا برزت أربعة نماذج متمايزة: دولة معبّأة، وأخرى ممتصّة، وثالثة متخبّطة، ورابعة مشلولة.

إيران: صراع على البقاء وتآكل الردع
في قلب هذا التحوّل، تبدو إيران كأنها تعيش لحظةً تأسيسية ثانية، لكن ليس بمعنى إعادة بناء النظام، بل في سياق صراعٍ حاد على بقائه. الضربة الأكثر تأثيراً لم تكن عسكريةً بحتة، بل تمثّلت في تفكك رأس الهرم القيادي، مع غياب المرشد الأعلى وتراجع تماسك النخبة الحاكمة بفعل الاغتيالات التي تعرّض لها الجسم القيادي للنظام، إلى جانب صراعاتٍ داخلية قائمة بالأساس. هذا التصدّع السياسي تزامن مع انكشافٍ عسكري غير مسبوق، بعد تدمير الجزء الأكبر من منظومات الدفاع الجوي وتراجع القدرة الصاروخية، ما أفقد إيران عنصر "الردع" الذي شكّل أساس استراتيجيتها لعقود. كما طاولت الضربات البنية التحتية العسكرية والصناعات الدفاعية، بما في ذلك مراكز القيادة والأمن والإنتاج والتدريب.
اقتصادياً، دخلت البلاد مرحلة تفككٍ متسارع مع استهداف منشآت الطاقة الحيوية، خصوصاً في عسلوية وجنوب بارس، ما أدى إلى شللٍ جزئي في قطاع البتروكيماويات وتفاقم التضخم وانهيار العملة الذي تعاني منه إيران أصلاً. أما اجتماعياً، فقد سبقت الحرب وتزامنت معها موجة احتجاجات وظهور فجوةٍ واضحة بين النظام وشرائح من المجتمع. أمام هذا المشهد، لم تجد طهران سوى اللجوء إلى استراتيجيةٍ تصعيدية تقوم على نقل الأزمة إلى الخارج، عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز ورفع تكلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، في محاولةٍ لفرض معادلةٍ قاسية: "بقاء النظام في مقابل استقرار الطاقة العالمية".

إسرائيل: حرب وجودية وتحوّل في العقيدة
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع الحرب باعتبارها معركةً وجودية تعيد إنتاج منطق عام 1948، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين. فقد انتقلت عقيدتها العسكرية من "الردع والاحتواء" إلى "الضرب الاستباقي والإزالة"، وهو ما تجلّى في عملياتٍ جوية واسعة النطاق استهدفت البنية القيادية والعسكرية الإيرانية بشكلٍ مباشر. أما في لبنان، فتحاول إسرائيل فرض واقعٍ جديد في جنوبه عبر التوسّع البري وفي عمقه لشلّ قدرات "حزب الله" العسكرية. وقد تعرّضت إسرائيل لسلسلة ضربات صاروخية ومسيّرات استهدفت مراكز مدنيةً ومنشآتٍ وقواعد عسكرية، وطاولت الهجمات مباني سكنيةً وبنى تحتيةً مدنية، إضافةً إلى مواقعٍ صناعية حساسة مثل مصفاة حيفا. ورغم محدودية الأثر الاستراتيجي لهذه الضربات، فإنها أحدثت اختراقاً للعمق الإسرائيلي.
هذا التحوّل ترافق مع دخول الاقتصاد الإسرائيلي في حالة تعبئةٍ شاملة، بحيث ارتفعت تكلفة الحرب إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، وجرى توجيه موارد ضخمة نحو الإنفاق العسكري، ما وضع المجتمع أمام معادلة تضحيةٍ طويلة الأمد. تحدٍّ آخر ليس اقتصادياً أو عسكرياً، بل داخلي، يطاول العقد الاجتماعي، خصوصاً في ظل أزمة تجنيد الحريديم ورفضهم الانخراط في الخدمة العسكرية، في مقابل حاجة الجيش المتزايدة الى القوى البشرية. هذا التوتر يهدد أحد أعمدة النموذج الإسرائيلي القائم على الاندماج بين المجتمع والمؤسسة العسكرية.

 

دبابات إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان في الجليل الأعلى. (أ ف ب)
دبابات إسرائيلية بالقرب من الحدود مع لبنان في الجليل الأعلى. (أ ف ب)

 

لبنان: ساحة مفتوحة وتفاقم الانهيار
أما لبنان، فقد وجد نفسه مرة جديدة في موقع الدولة التي تدفع ثمن حرب لم تقررها، ولا تملك القدرة على التحكم بمسارها. فغياب السيادة العملياتية، نتيجة وجود "حزب الله" وقراره دخول الحرب في 2 آذار/مارس "إسناداً لإيران"، جعل لبنان ساحةً مفتوحة لحروب الآخرين. ومع تصاعد الضربات العسكرية الإسرائيلية، ظهر الشلل العام في حركة البلاد، الأمر الذي يسرّع وتيرة التحديات الاقتصادية التي كانت قائمة أصلاً. إلا أن الأخطر يتمثل في الانهيار الاجتماعي، حيث شهد ويشهد لبنان واحدةً من أكبر موجات النزوح في تاريخه الحديث، بعد تحذيراتٍ إسرائيلية بضرب مناطقٍ وأحياء واسعة في الجنوب وفي ضاحية بيروت الجنوبية وفي البقاع، حيث تُعدّ هذه المناطق معاقل أساسيةً لـ"حزب الله" عسكرياً وأمنياً، ما يضع ضغوطاً هائلة على البنية الإنسانية والخدماتية، ويفتح الباب أمام تصاعد التوترات الداخلية وخطابات الانقسام السياسي. في هذا السياق، حاولت الدولة، وتحاول، استعادة دورها عبر قراراتٍ سياسية جريئة، بينها حظر النشاط العسكري والأمني خارج إطارها، والانفتاح على مساراتٍ تفاوضية مباشرة مع إسرائيل، لكنها تصطدم حتى الساعة بتعثر قيام هذه المفاوضات، بسبب عدم تجاوبٍ إسرائيلي واضح مع المبادرة اللبنانية، وبسبب بعض خصوصيات "الحكم اللبناني القديم" التي لا تزال تؤثر في استكمال صورة الوفد التفاوضي لدى رئيسي الجمهورية والحكومة.

دول الخليج: امتصاص الصدمة وإعادة التموضع
في المقابل، اختارت دول الخليج مساراً مختلفاً يقوم على امتصاص الصدمة بدل الانخراط المباشر في المواجهة. فقد وجدت هذه الدول نفسها في مرمى النار الإيرانية، ما عرّضها لهجماتٍ مباشرة، خصوصاً على منشآت الطاقة الحيوية والقواعد الأميركية على أراضيها، إلى جانب بعض الأبنية المدنية التي استهدفتها إيران. هذا الواقع يشكّل تهديداً مزدوجاً، أمنياً واقتصادياً، إذ أصابت الضربات قطاعاتٍ حيوية مثل الغاز والنفط، ما قد ينعكس على الإيرادات والاستثمارات، ويهدد مشاريع استراتيجيةً كبرى. إلا أن الاستجابة الخليجية اتسمت بقدرٍ عالٍ من الانضباط، إذ ركّزت الحكومات على إدارة الداخل ومنع الذعر عبر سياساتٍ إعلامية وقانونية صارمة، بالتوازي مع تعزيز التنسيق الدفاعي المشترك وتجنب الانجرار إلى حربٍ مفتوحة. في الوقت نفسه، دفعت الحرب هذه الدول إلى إعادة تقييم علاقتها بالضمانات الأمنية، ما سيسرّع من توجهها نحو تنويع شراكاتها الدفاعية والاستثمار في قدراتها الذاتية. بهذا المعنى، تسعى دول الخليج إلى الخروج من الحرب بأقل الخسائر الممكنة، مع إعادة تموضعٍ استراتيجي طويل الأمد.

معيار القوة يتغير
في المحصلة، تكشف حرب 2026 عن تحوّلٍ عميق في طبيعة الدولة في الشرق الأوسط. لم يعد معيار القوة يُقاس بالقدرة العسكرية فحسب، بل بمدى تماسك الداخل، ومرونة المؤسسات، وقدرة النظام على إدارة الأزمات الطارئة. إسرائيل بدت دولةً معبّأة عسكرياً لكنها تواجه تحدياتٍ داخلية متصاعدة، وإيران دولةً منهكة تصارع للبقاء، والخليج كتلةً تسعى إلى امتصاص الصدمات وإعادة التوازن، فيما ظهر لبنان أكثر النماذج تخبطاً، عالقاً بين تحديات السيادة وحصر السلاح بيد الدولة، والتفاوض، وثقل الصراعات الإقليمية. وفي هذا السياق، قد لا يكون السؤال الحقيقي من ربح الحرب، بل أي دولة استطاعت أن تبقى متماسكة في ظلها؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/19/2026 11:58:00 AM
اجتماعان تناولا التطورات الإقليمية في ضوء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة
الخليج العربي 3/19/2026 12:53:00 PM
قرقاش يُعلّق: تاريخ الإمارات الاقتصادي قائم على الانفتاح وحرية انتقال الأموال
المشرق-العربي 3/19/2026 3:11:00 PM
وضع استهداف إسرائيل لحقل بارس الإيراني العراق أمام خطر انقطاع واسع للتيار قد يصل إلى ما يشبه "الظلام الشامل" خلال الساعات المقبلة.
المشرق-العربي 3/19/2026 1:50:00 PM
أكد المستشفى المعمداني "وصول شهيدين إثر قصف إسرائيلي لمجموعة من المواطنين في ساحة الشوا في حي التفاح شرق مدينة غزة"...