إعادة تشغيل خط كركوك – جيهان... خطوة تخفّف الضغط ولا تنهي الأزمة
بغداد - محمد البغدادي
شهدت الساحة النفطية العراقية تطوراً مهماً مع استئناف تصدير جزء من النفط الخام عبر ميناء جيهان التركي، في خطوة تأتي وسط ظروف إقليمية واقتصادية معقدة، أبرزها إغلاق مضيق هرمز، وتداعيات الخلافات السياسية والفنية التي سادت خلال الفترة الماضية بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، والتي أدت إلى توقف أحد أهم المنافذ التصديرية الشمالية للعراق منذ عام 2023.
وأعلنت وزارة النفط العراقية، أمس الأربعاء، إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك – جيهان واستئناف عمليات الضخ بطاقة أولية تبلغ نحو 250 ألف برميل يومياً، عقب التوصل إلى تفاهمات مشتركة بين بغداد وأربيل سمحت بإعادة تفعيل التصدير عبر الأراضي التركية، وهو ما يمثل عودة جزئية لمسار تصديري استراتيجي ظل معطلاً لسنوات بسبب النزاعات القانونية والمالية والإدارية بين الطرفين. وتشير البيانات الرسمية إلى أن هذا المسار يُعد أحد البدائل البرية المهمة لصادرات العراق النفطية، لكونه يربط حقول الشمال مباشرة بالأسواق العالمية بعيداً عن الموانئ الجنوبية.
أهمية استراتيجية في ظل اضطراب الممرات البحرية
وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية في ظل توقف أو تعطل جزء كبير من صادرات النفط العراقية عبر الخليج نتيجة إغلاق مضيق هرمز، ما دفع الحكومة العراقية إلى البحث عن منافذ بديلة لتقليل الخسائر الاقتصادية والحفاظ على تدفق الإيرادات النفطية التي تشكل العمود الفقري للموازنة العامة. ويُعد خط كركوك – جيهان، الممتد من شمال العراق إلى الساحل التركي على البحر المتوسط، أكبر خطوط التصدير البرية في البلاد بطاقة تصميمية تاريخية تصل إلى نحو 1.4 مليون برميل يومياً، ما يمنح العراق مرونة تصديرية في أوقات الأزمات الجيوسياسية.
تأثير محدود على الإيرادات العامة
ورغم الأهمية السياسية والاقتصادية لاستئناف الضخ، تؤكد المؤشرات الفنية والاقتصادية أن الكميات الحالية المصدّرة لا تزال محدودة التأثير على الإيرادات العامة.
ويقول رئيس مركز العراق للطاقة فرات الموسوي لـ"النهار" إن "الكميات المستأنفة من التصدير لا تتجاوز 6% من إجمالي صادرات العراق النفطية، ما يعني أن تأثيرها على الخزينة العامة سيكون محدوداً ولن يغطي العجز المتوقع في الموازنة".
ويضيف أن "هذه الخطوة تأتي لتخفيف الضغط المالي الفوري على الحكومة، لكنها ليست حلاً جذرياً للأزمة، لا سيما أن تصدير النفط عبر تركيا يخضع لاتفاقيات معقدة مع إقليم كردستان، ما يجعل العملية جزئية ومرتبطة بمحدودية الإنتاج والكميات المخصصة".
كلفة النقل والعوائد اليومية
وذكر مرصد "إيكو عراق"، وهو مرصد اقتصادي مختص، في بيان له أن "الإيرادات اليومية للعراق من تصدير 200 ألف برميل نفط بسعر 100 دولار للبرميل، بعد خصم أجور النقل البالغة 3.15 دولارات لكل برميل، تبلغ نحو 24.21 مليون دولار يومياً". وأوضح أن أجور النقل تتوزع إلى قسمين: داخل الأراضي العراقية بقيمة دولارين لكل برميل، تذهب للشركات المالكة للأنبوب (روزنفت الروسية 49%، كار الكردية 40%، وDEX Capital الإماراتية)، فيما تبلغ أجور الجانب التركي نحو 1.15 دولار لكل برميل يمر داخل أراضيه وصولاً إلى ميناء جيهان.
وأضاف أن "استئناف التصدير عبر هذا الخط يشكل 6% فقط من صادراته النفطية، ويمثل حلاً جزئياً لتعويض خسائر العراق بعد تعطل صادراته عبر مضيق هرمز، وأن الاعتماد على مسارات تصدير بديلة يتطلب تنويع البنية التحتية النفطية وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية العالية المخاطر".

تحذيرات من استمرار إغلاق مضيق هرمز
ويؤكد الموسوي أن "استمرار إغلاق مضيق هرمز يضع العراق أمام تحديات كبيرة، إذ تعتمد البلاد على صادرات النفط لتغطية نحو 90% من إيراداتها العامة، ما يجعل أي انقطاع في التصدير عبر الخليج يشكل ضغطاً مضاعفاً على الاقتصاد الوطني ويزيد من احتمالات التأثير على الخدمات العامة والموازنات المستقبلية".
ويشير رئيس مركز العراق للطاقة إلى أن "الخطوة الحالية، رغم أهميتها الرمزية والمالية الجزئية، تظل حلاً موقتاً، وتبرز الحاجة إلى حلول استراتيجية طويلة المدى لتأمين مصادر بديلة للتصدير وتقليل الاعتماد على خطوط المرور التقليدية، سواء عبر المضائق الدولية أو الأسواق الإقليمية".
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي ناصر الكناني، لـ"النهار"، إن "استئناف تصدير نفط كركوك عبر ميناء جيهان خطوة محدودة وغير كافية لمواجهة الأزمة المالية المتوقعة"، موضحاً أن العراق يعتمد على نحو 3.5 ملايين برميل يومياً من صادرات النفط لتغطية أكثر من 90% من إيراداته العامة، وبالتالي فإن هذه الخطوة، رغم أهميتها الرمزية، لن تغطي سوى جزء ضئيل من العجز المالي المتوقع.
خطوة جزئية ضمن مسار معقد
ويؤكد مختصون في الشأن النفطي أن إعادة التصدير عبر جيهان توفر متنفساً موقتاً وتمنح بغداد هامش حركة في مواجهة اضطرابات الأسواق وتعطل المسارات البحرية، لكنها لا تستطيع تعويض الخسائر الكبيرة الناتجة عن توقف الصادرات الجنوبية، نظراً لاعتماد الاقتصاد العراقي شبه الكامل على عائدات النفط، إضافة إلى محدودية الطاقة التشغيلية الحالية للخط مقارنة بحجم الصادرات الكلي.
وبذلك، يُنظر إلى استئناف التصدير عبر ميناء جيهان بوصفه خطوة استراتيجية ذات بعد سياسي واقتصادي مهم لتعزيز تنوّع منافذ التصدير وتقليل المخاطر الجيوسياسية، إلا أنه يبقى إجراءً جزئياً لا يكفي بمفرده لمنع أزمة مالية محتملة ما لم تُستأنف الصادرات النفطية الرئيسية بكامل طاقتها أو يتم إيجاد بدائل تصديرية أوسع وأكثر استدامة خلال المرحلة المقبلة.
وكان العراق، العضو في منظمة "أوبك"، يُصدّر ما معدله 3.5 ملايين برميل يومياً قبل الحرب التي بدأت بهجوم أميركي – إسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير. وكان معظم هذا الإنتاج يُصدَّر عبر موانئ محافظة البصرة الجنوبية المطلة على الخليج.
نبض