في ظلّ الحرب على إيران… المستوطنون يحوّلون الضّفة الغربيّة إلى جحيم
قُتل الأخوان محمد وفهيم طه معمر في اليوم الثالث من الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران، خلال إطلاق صفارات الإنذار التي تنذر بهجوم صاروخي وشيك. ففي ظهر ذلك اليوم، هاجمت مجموعة من 25-30 مستوطناً من مستوطنة شيلو العائلة الفلسطينية في بلدة قريوت الواقعة جنوب شرق مدينة نابلس.
يقيم الإخوة في حي عائلي، لكل منهم منزله المستقل بجوار والديهم. ظهيرة ذلك اليوم، لاحظ السكان قيام المستوطنين بإغلاق الشارع الرئيسي في الجهة الجنوبية للقرية وتجريف الأراضي الزراعية باستخدام جرافة خاصة، واقتلاع أشجار الزيتون من المنطقة. حاول الأهالي اعتراض المستوطنين أمام الجرافة ومن كان يرافقهم.
كان هدف المستوطنين إقامة بؤرة استيطانية جديدة بين المنازل، رغم محاصرة القرية سابقاً بمستوطنات عيلي وشيلو وشيفوت راحيل التي استولت على أراضي القرية في السنوات الأخيرة.
برفقة الحارس، بدأ المستوطنون بإلقاء الحجارة وكسر شبابيك منزل محمد الذي تصدى لهم مع إخوته. خلال ذلك، أطلق أحد المستوطنين الذي كان يرتدي الزي العسكري، الرصاص الحي عن عمد، فأصاب محمد في الرأس، ما أدى إلى مقتله على الفور. كما أصيب أخوه فهيم برصاصة في الحوض أصابت الشريان الرئيسي، وتوفي أثناء نقله إلى المستشفى، فيما أصيب شقيقهما الثالث جميل برصاصة في قدمه.
يقول جميل، في حديثه لـ"النهار"، إن هدف المستوطنين كان القتل: "وصلوا مسلحين ومع الحارس، تصدينا لهم بالحجارة. شاهدنا أثناء إطلاق النار تساقط أغصان الزيتون من الأشجار. طريقتهم تؤكد أنهم عمدوا إلى إصابة قاتلة".
ويضيف أن الشرطة والجنود الإسرائيليين وصلوا بعد ساعة ونصف من الحادث، وهاجموا السكان محاولين اعتقالهم، وتبنوا رواية المستوطنين. وعندما شاهدوا الدماء والإصابات بالرصاص، جمعوا الأدلة والرصاص من الأرض وغادروا.
ويشير جميل إلى أن "المستوطن عاد صباح اليوم التالي وأقام خيمة وحظيرة للأغنام، وربما اعتقل لساعات عدة، لكنه خرج من دون محاكمة".
من جهته، يقول الناشط الحقوقي بشار القريوتي، لـ"النهار"، إن الحي كان "ساحة حرب حقيقية"، وأصيب اثنان من المسعفين في اليد والكتف بسبب كثافة النيران، بينما كان الأخوان يحاولان حماية النساء والأطفال من الرصاص. ويضيف: "المستوطنون يستغلون انشغال العالم بالحرب على إيران لمهاجمة القرى الفلسطينية، ويستغلون غياب القانون الدولي وتعطل عمل المنظمات الحقوقية، لتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم".
ويشير القريوتي إلى أن التوجه نحو المحاكم الدولية هو أحد الخيارات لمحاسبة المعتدين، مؤكداً أن "اغتيال الأخوين معمر جريمة مكتملة الأركان، ولن نتوقف عن القيام بدورنا لإيجاد طريقة لإيقافهم".
قتل وهجمات متواصلة
لم تتوقف هجمات المستوطنين منذ أربع سنوات، ويبدو أنها لن تتوقف، إذ ليس من رادع حقيقي أو ضغط فعلي على الحكومة الإسرائيلية.
على بعد 14 كيلومتراً من قريوت، هاجمت مجموعة من 100 مستوطن خربة أبو فلاح، بعدما أقاموا بؤراً استيطانية عدة في المنطقة الواقعة بين قريتي ترمسعيا والمغير. وقاموا خلال الليلة الثامنة للحرب بسلسلة هجمات على الأراضي والممتلكات ومنع المزارعين من الوصول لحقولهم، أدت إلى مقتل فارع وثائر حمايل.
يقول أحد أقرباء فارع وثائر، لـ"النهار"، إن "المستوطنين قتلوا الأخوين خلال أقل من دقيقة، أثناء محاولتهما إبعاد الفتية عن مناطق الهجوم، حيث أصيبا مباشرة في الرأس".
ويضيف أن الجيش الإسرائيلي "دخل القرية بعد الهجوم وأطلق قنابل الغاز بكثافة في محيط العيادة الطبية، ما تسبب بإصابة محمد حسن بالاختناق، ونقل إثره ذلك إلى المستشفى حيث فارق الحياة".
بدوره، يقول رئيس المجلس المحلي في أبو فلاح أيمن حمايل، لـ"النهار"، إن "أوضاع القرية تخطت كل الخطوط الحمراء، حيث أصبح المستوطنون على أبواب البيوت وبين المنازل"، مشيراً إلى أن هذه الممارسات لم تشهدها المنطقة منذ 77 عاماً، وأن أطماع المستوطنين لا تنتهي، فيما تقع القرية ضمن المنطقة (باء) وفق تفاهمات أوسلو.

استغلال الظروف
أطلق المستوطنون الرصاص على الأهالي عشوائياً جنوب مدينة الخليل، ما أدى إلى إصابة الشقيقين أمير وخالد محمد شناران، ونقلا إلى مستشفى يطا الحكومي. أعلن عن وفاة أمير (28 عاماً) بعد إصابته برصاصة في الرقبة، كما جرح خمسة آخرون.
وبذلك ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قتلوا في الضفة الغربية نتيجة هجمات المستوطنين المتصاعدة منذ بداية الحرب على إيران إلى 6.
على وقع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، صعّد المستوطنون اعتداءاتهم على الفلسطينيين، مستغلين الانشغال الإقليمي والدولي، وسط مخاوف من تهجير التجمعات البدوية والاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد شهدت الاعتداءات ارتفاعاً ملحوظاً، خاصة في المناطق المصنفة (جيم)، حيث تتعرض الضغوط على السكان الفلسطينيين باستمرار.
ويستغل المستوطنون والسلطات الإسرائيلية الظروف السياسية والأمنية المرتبطة بالحرب، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، لتكثيف الضغوط بهدف تهجير الفلسطينيين. ونفذ المستوطنون 511 اعتداءً جسدياً مباشراً، من بينها اقتلاع أشجار، وحرق حقول، والاستيلاء على ممتلكات، وهدم منازل ومنشآت زراعية في الضفة الغربية.
نبض