من الأمن إلى السياسة والاقتصاد... حرب إيران تلقي بظلالها الثقيلة على الأردن
عمّان - إبراهيم أبو سماقة
تبدو جلية تلك الآثار التي تخطها الحرب الإيرانية مع دخولها أسبوعها الثاني على الأردن سياسياً واقتصادياً، إذ تجد عمّان نفسها أمام جملة من التحديات الأمنية لا يُستهان بها، فرضت بدورها خطاباً سياسياً للدولة التي اتخذت موقفاً محايداً من الحرب قبل اندلاعها، ولكنها اليوم تدفع كلفها من أمنها واقتصادها المنهك أساساً.
وكان الجيش الأردني كشف عن استهداف إيران للبلاد منذ بدء الحرب بـ119 صاروخاً ومسيّرة، وُجّهت نحو أهداف ومنشآت حيوية، حيث تم اعتراض 108 منها وتدميرها، فيما لم تتمكن الدفاعات الجوية من اعتراض 11 صاروخاً ومسيّرة.
الخطاب السياسي للدولة ما انفك يحذر من الحرب وتداعياتها، ويدين الهجمات الإيرانية على البلاد ودول الخليج العربي، داعياً إلى حل ديبلوماسي يضع حداً للصراع الدائر، فيما تتباين آراء النخب والشارع تجاه الحرب، تبعاً للمواقف من سياسات أميركا وإسرائيل وإيران في المنطقة.
رفع كلفة الاستهداف
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي عامر السبايلة، لـ"النهار"، أن الأردن منذ البداية كان ضد الحرب والتصعيد بين إيران والولايات المتحدة، لأنه يدرك حجم التداعيات والمخاطر التي تنطوي عليها، والتي باتت مع اندلاع الحرب تفرض نفسها عليه اليوم كأمر واقع.
ويضيف السبايلة أن "الخطاب السياسي للأردن يجب أن يأخذ بالاعتبار أن المملكة أمام مواجهة أصبحت تطالها في الداخل رغم أنها فُرضت عليها ولم تخترها"، مؤكداً أن هذا الخطاب، داخلياً وخارجياً، يجب أن يرتكز إلى وضع الأمن القومي الأردني كأساس له.
ويرى السبايلة أن "خيارات الأردن اليوم تقتصر على تأمين نفسه وحدوده وداخله ومنع استهدافه، وأيضاً رفع كلفة استهدافه على من يعتقد أن استهدافه يمكن أن يكون بهذه السهولة، وعليه يجب أن يكون الخطاب حاسماً للداخل والخارج".
إيران تستهدف الأردن بشكل مباشر
من جهته، يرى وزير الإعلام الأردني الأسبق سميح المعايطة أن "موقف الأردن السياسي كان واضحاً منذ البداية بأنه ليس جزءاً من هذه الحرب وليس طرفاً من أطرافها، رغم علاقاته المميزة مع الولايات المتحدة، لكن هذا مختلف تماماً عن الانخراط في هذه الحرب".
ويؤكد المعايطة، لـ"النهار"، أن الموقف السياسي الأردني سيبقى قائماً كما هو على الدعوة للحوار والسبل السلمية لحل النزاعات والخلافات، لا الذهاب إلى التصعيد والتوتر.
ويتابع أن "الخطاب السياسي بعد أكثر من أسبوع من الحرب واضح في ما يتعلق بالعدوان الإيراني على الأردن ودول الخليج، عبر رفض هذا العدوان وإدانته واعتباره خروجاً عن كل المواثيق والأعراف، وهو موقف منسجم مع سياسة الحياد إزاء المواجهات بين الطرفين. ورغم ذلك فإن إيران تستهدف الأردن بشكل مباشر، فصواريخها ليست عابرة نحو إسرائيل، بل تسعى لضرب أهداف حيوية في المملكة".
ويشدد المعايطة على "حق الأردن في حماية أجوائه ومصالحه"، مشيراً إلى أن "هناك التزاماً من الطرفين الأميركي والإسرائيلي بعدم استخدام أجواء الأردن، وأن المخالفة والعدوان يأتيان من الجانب الإيراني".
ويتابع وزير الإعلام الأسبق أن "الأولوية بالنسبة للأردن اليوم هي أمنه وسلامة مواطنيه ومنشآته، وهذا أمر تقوم به القوات المسلحة بشكل احترافي وإيجابي، فالأضرار بسيطة حتى الآن وتقتصر على الجانب المادي".
وعلى مستوى الحراك السياسي، يشير المعايطة إلى أن الأردن ينسق بشكل عالٍ مع الأطراف العربية، وخصوصاً في الخليج العربي، فضلاً عن الدول المؤثرة عالمياً.
وفي ما يتعلق بسياسة الحياد التي ينتهجها الأردن، يتوقع المعايطة أن الأردن سيستمر بهذه السياسة ولن يتغير موقفه، مؤكداً أن "هناك مسارين لهذا الموقف: الأول هو دعوة الأردن إلى حل ديبلوماسي للأزمة وأن الحرب ليست حربه، والمسار الثاني هو رفض الاعتداء على أراضيه وعلى دول الخليج. وهنا في هذا المسار فإن إيران طرف عدواني ويتم التعامل معها على هذا الأساس".

مواجهة تحالف المحتكرين
من جهته، يقول المحلل الاقتصادي مازن مرجي إن التأثيرات الاقتصادية للحرب تمتد لتشمل دول العالم كافة، وإن بنسب متفاوتة، فإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من نفط العالم يؤثر على العالم أجمع، ولكن هناك آثاراً للحرب على الأردن والدول الإقليمية بشكل خاص، تتعلق بتوقف حركة الطيران، وتراجع السياحة، وارتفاع كلف الاستيراد.
ويضيف مرجي، لـ"النهار"، أن التجار أصبحوا أيضاً يستغلون ظروف الحرب لرفع الأسعار، رغم أن كثيراً من السلع تم استيرادها قبل الحرب، وكذلك الأمر بالنسبة لارتفاع أسعار الخضار والفواكه غير المبرر في هذا الوقت.
ويحذر المحلل الاقتصادي الأردني من سياسة الاحتكار في الأسواق، داعياً الحكومة الأردنية إلى "القيام بدورها الرقابي والتنظيمي أمام تحالف المحتكرين"، مشيراً إلى أن "جمعية حماية المستهلك غائبة منذ فترة ولا دور لها".
ويرى مرجي أن "المرحلة القادمة ستكون أسوأ، خصوصاً إذا لم تتحرك الحكومة، فالمواطن أصبح ظهره مكشوفاً تحت وطأة الظروف الاقتصادية".
ويشير إلى أن الأردن "لا يحتمل أي تراجع في إيراداته، فوضعه الاقتصادي من سيئ إلى أسوأ أمام نسب البطالة والفقر المرتفعة"، مؤكداً أنه يتكبد فاتورة ضخمة لحماية أجوائه وحدوده.
ويؤكد مرجي أن "آثار الحرب ستطول حتى وإن انتهت"، داعياً الحكومة إلى العمل على التخفيف من حدة الآثار الاقتصادية على الناس، عبر إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية لتحسين الأوضاع المعيشية.
نبض