حرب إيران تربك المشهد السياسي في العراق وتؤخّر تشكيل الحكومة
بغداد – "النهار"
تتسارع تداعيات التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط لتلقي بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي العراقي، في وقت يواجه فيه العراق تحديات داخلية معقدة تتعلق بتشكيل الحكومة الجديدة وإدارة التوازنات السياسية بين القوى المتنافسة. ومع تصاعد المواجهة العسكرية ضد إيران، تتزايد المخاوف داخل الأوساط السياسية في العراق من أن تؤدي أي حرب أو تصعيد عسكري واسع إلى تعميق حالة الجمود السياسي وتعطيل المسار المتعثر أصلاً لتشكيل الحكومة.
وتشير معطيات سياسية ومواقف صادرة عن قوى حزبية وبرلمانية إلى أن العراق يقف في موقع حساس بحكم الجغرافيا والتشابكات السياسية والأمنية مع إيران، وهو ما يجعل أي صراع إقليمي ينعكس مباشرة على الساحة الداخلية. فالعراق يرتبط بحدود طويلة مع إيران، إضافة إلى وجود علاقات اقتصادية وأمنية وسياسية معقدة بين البلدين، الأمر الذي يضع بغداد أمام معادلة صعبة بين تجنب الانخراط في الصراع الإقليمي والحفاظ على استقرارها الداخلي.
ويرى مراقبون أن التصعيد العسكري في المنطقة قد يدفع العديد من القوى السياسية العراقية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والتركيز على إدارة تداعيات الأزمة الأمنية المحتملة بدلاً من المضي في مفاوضات تشكيل الحكومة. كما أن الانقسام داخل القوى السياسية بشأن طبيعة العلاقة مع إيران ودور الفصائل المسلحة المرتبطة بمحور طهران قد يزيد من تعقيد المشهد ويؤخر التوصل إلى توافق سياسي يفضي إلى تشكيل حكومة مستقرة.
تأثير التصعيد الإقليمي على المشهد السياسي
ويقول القيادي في الإطار التنسيقي محمود الحياني، لـ"النهار"، إن "التصعيد العسكري المتزايد في المنطقة والحرب ضد إيران ينعكسان مباشرةً على المشهد السياسي في العراق، وهذه التطورات قد تؤدي إلى إبطاء أو تعطيل الجهود الجارية لتشكيل الحكومة الجديدة في ظل الأوضاع الإقليمية المعقدة".
ويوضح الحياني أن "القوى السياسية العراقية تتابع بقلق التطورات الأمنية في المنطقة، والمواجهة العسكرية الواسعة قد تفرض أولويات مختلفة على الدولة العراقية تتعلق بالحفاظ على الاستقرار الداخلي وتأمين الحدود والمصالح الاقتصادية، وهو ما قد ينعكس على وتيرة المفاوضات السياسية الجارية بين الكتل لتشكيل الحكومة".
ويضيف أن "العراق، بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته السياسية والاقتصادية مع إيران، سيكون من أكثر الدول تأثراً بالتصعيد العسكري، والحكومة المقبلة مطالبة بالتعامل مع تحديات داخلية وخارجية معقدة، الأمر الذي يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً بين القوى الفاعلة في البلاد".
ويؤكد القيادي في الإطار التنسيقي أن "القوى المنضوية في الإطار تدعم استمرار الحوار بين الكتل السياسية من أجل الإسراع في تشكيل حكومة قادرة على إدارة الملفات الحساسة، وعلى رأسها الملفان الأمني والاقتصادي، فتأخر تشكيل الحكومة قد يفاقم التحديات التي تواجه الدولة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة".
ويكشف أن "بعض القوى السياسية باتت أكثر حذراً في مواقفها التفاوضية، في ظل حالة عدم اليقين التي تفرضها التطورات الإقليمية، ما يجعل عملية التوصل إلى تفاهمات نهائية بشأن توزيع المناصب الحكومية والبرنامج الوزاري أكثر تعقيداً في هذه المرحلة".

الترقب السياسي وتعقيد مفاوضات تشكيل الحكومة
من جهته، يقول الناشط السياسي مجاشع التميمي، لـ"النهار"، إن "تصاعد الحرب ضد إيران ينعكس مباشرةً على المشهد السياسي في العراق ويضيف عاملاً جديداً لتعقيد عملية تشكيل الحكومة. فالعراق تاريخياً يتأثر بالتحولات الإقليمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصراع يمسّ دولة لها نفوذ سياسي وأمني داخل الساحة العراقية. وفي ظل هذا التصعيد، تميل القوى السياسية إلى التريث وعدم حسم الملفات الداخلية الكبرى بانتظار اتضاح اتجاهات الصراع الإقليمي".
ويشير التميمي إلى أن "بعض القوى المرتبطة بمحور إيران ترى أن الأولوية في هذه المرحلة هي إدارة تداعيات الحرب وليس الدخول في تسويات سياسية داخلية قد تعيد رسم موازين القوى. في المقابل، تخشى أطراف أخرى أن يؤدي استمرار الحرب إلى ضغوط دولية وإقليمية على بغداد، ما يجعل أي حكومة جديدة أمام استحقاقات أمنية وسياسية معقدة منذ يومها الأول".
ويضيف: "المشكلة أن حالة الترقب هذه تعمّق حالة الانسداد السياسي، لأن كل طرف ينتظر نتائج المواجهة الإقليمية ليبني على أساسها حساباته داخل العراق. ولذلك يمكن القول إن الحرب على إيران لا تؤثر فقط على الأمن الإقليمي، بل أصبحت عاملاً معطلاً إضافياً لمسار تشكيل الحكومة العراقية، في وقت يحتاج فيه البلد إلى سلطة تنفيذية مستقرة قادرة على إدارة الأزمات المتصاعدة".
تعقيدات المشهد بعد الانتخابات
بالمقابل، يقول الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية علي ناصر، لـ"النهار"، إن "الأمر العراقي معقد بعد الانتخابات الأخيرة التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، والتي كان من المفترض أن تُشكَّل الحكومة بعدها بأسرع وقت بسبب الظروف التي يمر بها الشرق الأوسط وبوادر اندلاع حرب كما نشهدها الآن. لكن العملية السياسية بدت شائكة جداً، وهذا ما دفع كتلة الإعمار والتنمية برئاسة محمد شياع السوداني إلى الانسحاب من الترشح لرئاسة مجلس الوزراء كي لا يكون هناك انسداد سياسي، والذهاب بمرشح إلى مجلس النواب بعد اختيار هيبت الحلبوسي رئيساً له. غير أن الاختلافات داخل الإطار التنسيقي الذي لم يتفق على اختيار شخصية لهذا المنصب، إذ إن هناك أغلبية ذهبت باتجاه تسمية نوري المالكي، هو ما عقّد الوضع أيضاً".
ويوضح ناصر أنه "في ظل هذه التطورات لم يكن البيت الكردي متوافقاً تماماً على تسمية مرشح لرئاسة الجمهورية، حتى أنه كان من الممكن أن يذهب الحزبان الرئيسيان بمرشحين إلى مجلس النواب العراقي، لكن ربما هناك عدم رضا من قبل الأحزاب الكردية على مرشح الأغلبية الشيعية، ما أدى إلى تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية كي لا يتم اختيار رئيس مجلس الوزراء حسب المدد الدستورية".
ويضيف أن "بدء الحرب على إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي اندلعت قبل ستة أيام، أثّر في مجريات الأحداث، إذ إن التوازن في المقبولية داخل العراق يعتمد على التوافق الداخلي والتوافق الخارجي، لذلك أثّر ذلك على عملية اختيار رئيس مجلس الوزراء، رغم أن إيران لم تمارس ضغطاً مباشراً على العراق في هذا الملف، على عكس الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي بدت تغريداته واضحة في التدخل في السيادة العراقية".
ويشير الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية إلى أنه "من الممكن أن يتأخر اختيار الاسم والبقاء على حكومة تصريف الأعمال حتى انتهاء هذه الحرب ومعرفة نتائجها".
نبض