إعادة هندسة البادية السورية: بين تراجع الإسناد الدولي وتصاعد "داعش"
في لحظة تصاعد أمني شرق سوريا، أعادت وزارة الداخلية رسم خرائط الانتشار في البادية، في قرار يتجاوز حدود الإدارة إلى إعادة تعريف قواعد السيطرة.
فقد أصدرت الوزارة قراراً بإعادة تقسيم البادية السورية إلى سبع مديريات تضم عشرات المفارز الممتدة من أثريا وخناصر شمالاً، مروراً بالسخنة وتدمر، وصولاً إلى T3 وT4 والقريتين ومحيطها. القرار إداري في صيغته، لكنه يعكس توجهاً أمنياً واضحاً: التعامل مع البادية كجبهة مستقلة تتطلب هندسة مختلفة للانتشار، في توقيت يتزامن مع تصاعد نشاط تنظيم "داعش"، ومع انكفاء روسي وتراجع الوجود العسكري الأميركي في قواعد أساسية.
السياق الميداني يوضح الخلفية. فبعد خطاب المتحدث باسم "داعش" أبو حذيفة الأنصاري، وإعلانه الدخول في "مرحلة جديدة من الصراع"، شهدت الرقة ودير الزور سلسلة هجمات استهدفت حواجز ونقاطاً أمنية. كما سبق أن استهدف التنظيم القوات الأميركية في بادية تدمر، وأعقب ذلك غارات جوية مكثفة. بالتوازي، نفذت وزارة الداخلية حملات ضد خلايا مرتبطة بالتنظيم في محافظات عدة. ومع ذلك، لم تتراجع وتيرة العمليات بشكل حاسم، ما يشير إلى أن التنظيم ما زال يحتفظ بهامش حركة يسمح له بالتصعيد رغم الضربات والإجراءات.

خرائط السيطرة الجديدة
على مستوى الخرائط، لا يرسم الانتشار الجديد طوقاً حول المدن بقدر ما يعيد تشكيل قلب الصحراء نفسه. فالتوزيع يقطع محور أثريا–السخنة–تدمر، وهو الشريان الذي منح "داعش" حرية الحركة بين الشمال والجنوب، كما يثبت حضوراً حول عقد T3 وT4 والقريتين، بوصفها بوابات انتقال من المساحات المفتوحة إلى الأطراف العمرانية. عملياً، نحن أمام محاولة لتقسيم المجال الصحراوي إلى قطاعات أقصر، بحيث تصبح الحركة الطويلة محفوفة باحتكاك متكرر.
منطق الحركة الصحراوية
دلالة هذا التوزع تتضح عند النظر إلى "منطق الحركة" الذي اعتمد عليه "داعش" خلال السنوات الماضية. في البادية تتكامل ثلاثة عناصر: شريان يمنح المناورة (أثريا–السخنة–تدمر)، بوابة تتيح إرسال رسالة نحو العمران (T3-T4-القريتين)، وعمق يعيد إنتاج القدرة (جبل البشري–وادي المياه). التنظيم لا يتحرك بخط مستقيم، بل بين هذه الوظائف الثلاث. وأي مقاربة تسعى إلى تقليص خطره لا تكتفي بإغلاق طريق، بل تحاول تعطيل العلاقة بين هذه المستويات.
القرار الحالي يبدو محاولة لكسر هذا الترابط: تقطيع الشريان إلى مقاطع أقصر، وتشديد الضغط على البوابة، ومحاصرة مداخل العمق. الهدف ليس فقط منع هجوم، بل تقليص الشروط التي تسمح بإنتاجه: الربط بين الجيوب، والانتقال بين الضغط والحيز المفتوح، وإعادة البناء في المناطق الوعرة.
بيئة عملياتية متغيرة
تنظيم "داعش" في البادية لا يعمل كقوة مسيطرة على أرض، بل كشبكة خلايا متنقلة تعتمد المرونة القصوى. خبرته الصحراوية تقوم على الحركة الخفيفة، والاندماج في المجال الواسع، واستثمار المسافات. مجموعاته صغيرة، تتحرك ليلاً بعيداً عن الطرق المعبدة، وتخزّن الوقود والذخيرة في مخابئ متناثرة. قوته لا تكمن في كثافة الانتشار، بل في قدرته على ضرب هدف محدود ثم الانسحاب سريعاً قبل تشكل قوة رد كافية.
تجربة السنوات الماضية تفسّر صعوبة المهمة. فحتى في ظل الغطاء الجوي الروسي وضربات التحالف الدولي، بقيت البادية توصف بـ"الثقب الأسود" الأمني. المشكلة لم تكن في نقص النقاط بقدر ما كانت في طبيعة الجغرافيا نفسها: فضاء واسع، وطرق غير مرسومة، وبيئة تسمح بالاختفاء وإعادة التشكل. وأظهرت تجارب سابقة أن الانتشار الثابت، إن لم يُدعَم بحركة موازية، يتحول مع الوقت إلى نمط يمكن توقعه.
اليوم، ومع تراجع كثافة الإسناد الجوي الخارجي مقارنة بسنوات سابقة، تتغير البيئة العملياتية. وحتى لو استمر التعاون الاستخباري السوري مع التحالف الدولي، فإن الفارق كبير بين بيئة تعتمد على تدخل جوي سريع، وبيئة يُترك فيها العبء الأكبر للانتشار البري. هذا التحول لا يمنح الأفضلية تلقائياً لأي طرف، لكنه يرفع أهمية إدارة الأرض وقدرتها على فرض احتكاك مباشر ومستمر.

نقاط ضعف
مع ذلك، يحمل نموذج المفارز نقاط ضعف محتملة. فكثرتها قد تعني ترقيق القوة، وتحويل بعض النقاط إلى أهداف قابلة للاستنزاف إن لم تُدعَم بقدرة تدخل سريع. كما أن الانتشار الثابت يراقب الممرات المعروفة أكثر مما يسيطر على المجال الأوسع، فيما يجيد التنظيم ابتكار مسارات بديلة حين تُغلق الطرق التقليدية.
المؤكد أن القرار يفتح مرحلة مختلفة في إدارة البادية، مرحلة يُختبَر فيها ما إذا كانت هذه الهندسة الأرضية قادرة على تغيير منطق الحركة الذي اعتمد عليه "داعش" لسنوات. والسؤال ليس بشأن عدد المفارز، بل ما إذا كانت قادرة على تحويل الصحراء من مساحة منخفضة الكلفة في المناورة إلى بيئة يصبح فيها التحرك نفسه مخاطرة دائمة.
نبض