الانسحاب الأميركي والتفاوض الروسي للبقاء: تقاسم نفوذ في سوريا؟
يتقدّم مسار الانسحاب الأميركي من سوريا خطوة إضافية مع بدء إخلاء قاعدة قسرك، إحدى القواعد الرئيسية لقوات التحالف الدولي في شمال شرق البلاد، في تطوّر يعكس تسارعاً واضحاً في إنهاء الوجود العسكري الأميركي على الأرض.
وبدت عملية سحب آليات ومعدات عسكرية ولوجستية باتجاه العراق مؤشراً عملياً إلى أن المرحلة الأخيرة من الانسحاب دخلت حيّز التنفيذ، وسط تقديرات بأن يُنجز بالكامل خلال فترة قد لا تتجاوز شهراً، من دون إبقاء أي قواعد عسكرية في سوريا، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدر رسمي سوري وآخر كردي.
بهذا المعنى، لا يبدو إخلاء قسرك خطوة معزولة، بل استكمالاً لمسار بدأ بتسليم قاعدتَي الشدادي والتنف إلى الحكومة السورية، في ما وصفه مسؤول أميركي كبير لـ"رويترز" بأنه "انتقال مدروس ومشروط". وعليه، يتضح أن المشهد في الساحة السورية يتبدّل مع إدارة الرئيس أحمد الشرع والدعم الدولي، وفي مقدمه إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على دعم الحكم الجديد بعد حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد.
مستقبل النفوذ الأميركي
وإذا كان القرار الأميركي يُقرأ من زوايا متباينة بين من يراه إيجابياً ومن يعتبره خطوة محفوفة بالمخاطر، فإن انسحاب القوّات العسكرية من القواعد في سوريا يفتح في جميع الأحوال الباب واسعاً أمام نقاش مستقبل نفوذ واشنطن، ولا سيما في علاقتها باللاعب الروسي الذي استطاع الانتقال مع السلطات الجديدة في سوريا إلى محطّة مختلفة عنوانها التواصل المستمر، سعياً إلى طي صفحة الدعم الروسي للأسد، الهارب إلى ضواحي موسكو.
الخطوة الأميركية لم تأتِ في فراغ. سلسلة أحداث رافقتها وتهيّأت لها: اتّفاق دمشق وقوّات سوريا الديموقراطية (قسد)، وانضمام سوريا إلى "التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش" بقيادة واشنطن وتراجع تهديد التنظيم، والمفاوضات السورية – الإسرائيلية، وتراجع النفوذ الإيراني. والأكيد أن سقوط الأسد كان التحوّل الجذري الذي أعاد ترتيب هذا المشهد برمّته.
وفي الإطار الميداني، شكّلت قاعدة الشدادي أبرز النقاط الاستراتيجية، واكتسبت أهميّتها من موقعها الجغرافي الذي يربط بين محافظتي الحسكة ودير الزور في شمال شرق سوريا. أمّا قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري-العراقي-الأردني في محافظة حمص، فاستخدمت في حرب "التحالف الدولي" على "داعش"، وخصوصاً في قطع الطريق البرّي أمام الإمدادات العسكرية من إيران إلى "حزب الله" في لبنان، ما منحها بعداً إقليمياً يتجاوز الساحة السورية.
من هنا، يطرح الانسحاب العسكري الأميركي أسئلة تتجاوز البعد العسكري المباشر. ويرى المستشار الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب، في حديث لـ"النهار"، أن الانسحاب "لا يترك فراغاً، لكننا نريد أن نعرف ظروفه والنية الأساسية له: هل بسبب داعش ونقل عناصره إلى العراق أو الاتّفاق مع قسد، أم أنه تحضير لشيء خلف الكواليس؟ هل هو مؤشر استقرار أم لا؟ هل بسبب عجز مالي أميركي وترشيد الإنفاق؟ هذه الأسئلة كلّها بحاجة إلى أجوبة".
كيف ستتصرف روسيا؟
وفيما تنتشر القوّات الأميركية من العراق إلى الأردن والخليج في قواعد عسكرية ثابتة، ما يعني استمرار الدعم الاستخباراتي واللوجستي بغض النظر عن قرار الانسحاب وتوقيته وإعادة التموضع، يبقى السؤال الأوسع مرتبطاً بروسيا: ماذا ستكون خطواتها أمام هذا الواقع؟ وهل ستحاول استغلال "الغياب الميداني" الأميركي للحفاظ على موطئ قدم مع الإدارة الجديدة؟

في هذا السياق، لا يخفي المسؤولون السوريون والروس وجود مفاوضات للحفاظ على قاعدتَي حميميم الجوية وطرطوس، في اتّفاق يمتد حتى عام 2066. هدف موسكو واضح: المحافظة على هاتين القاعدتين بعد حقبة حليفها الأسد، وتثبيت حضورها الاستراتيجي على الساحل السوري.
وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة أشار في مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن سوريا منفتحة على السماح لروسيا بالاحتفاظ بقواعدها الجوّية والبحرية على طول ساحل البحر المتوسّط، طالما أن أي اتّفاق مع الكرملين يخدم مصالح البلاد.
ويعتبر ديب أن "الوجود الروسي هو تقاسم بين واشنطن وموسكو. ترامب بالطبع لن يخسر، فتواصل غير مباشر سيجمع الأميركيين بالروس في الشأن السوري، هو عبارة عن صفقات سياسية بين الطرفين".
ولعلّ المفارقة التي رصدتها صحيفة "موسكو تايمز" في مقاربتها للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره السوري تختصر حجم التحوّل. ففي مقال بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2025، ذكّرت الصحيفة بأنه في عام 2017، عندما كانت التدخّلات الروسية في الحرب السورية في ذروتها، أفادت وزارة الدفاع الروسية خطأً بأن زعيم الثوار السوريين أبو محمد الجولاني قد فقَد ذراعه في غارة جوية روسية، فيما أصبح الزعيم نفسه، الذي تولّى رئاسة سوريا واسمه الحقيقي أحمد الشرع، يصافح بوتين في الكرملين وذراعاه سليمتان بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وفي لقائهما الأول بعد السقوط، أبلغ الشرع بوتين أنّه سيحترم جميع الاتّفاقات التي سبق إبرامها بين البلدين، قائلاً: "هناك روابط تاريخية قديمة كما ذكرنا، وهناك علاقات ثنائية ومصالح مشتركة، تربطنا أشياء كثيرة. نحن نحترم كل ما مضى من اتّفاقات... ونحاول أن نعيد بشكل جديد طبيعة هذه العلاقات ونعرّفها".
غير أن الواقع الدولي يفرض معادلاته. فالحصار بالعقوبات يضيّق الخناق على موسكو، ولا يمنح بوتين مجالاً واسعاً للتحرّك، وإن كانت إعادة وصل العلاقات السورية – الروسية تبقى هدفاً واضحاً لساكن الكرملين.
اقتصادياً، يقلّل ديب من شأن المساعدات لدى الطرفين الأميركي والروسي. فمساعدات روسيا المحدودة في زمن نظام الأسد كان يستفيد منها أركان النظام وحاشيته، ولم يستفد منها الشعب، فيما يرى أن الولايات المتحدة عاجزة عن تنفيذ مشاريع كبيرة. ويختم بالقول: "بالطبع روسيا لا تستطيع أن تحل مكان الولايات المتحدة، ولكن الصين تستطيع أن تحل مكان الدولتين اقتصادياً. ما يمكن الحديث عنه هو تكامل روسي-أميركي اقتصادي في سوريا رغم صعوبة تنفيذ هذا التقاسم".
نبض