لغز اختفاء الضحايا في غزة: قصص مرعبة عن "تبخّر" الجثامين!

المشرق-العربي 20-02-2026 | 06:41

لغز اختفاء الضحايا في غزة: قصص مرعبة عن "تبخّر" الجثامين!

خلال الحرب المستمرة على غزة، تبخرت جثامين ما يقارب من 3000 فلسطيني دون أثر.
لغز اختفاء الضحايا في غزة: قصص مرعبة عن "تبخّر" الجثامين!
طفل فلسطيني ينظر إلى مقبرة جماعية في دير البلح بوسط قطاع غزة، حيث تدفن 53 جثة مجهولة الهوية، في 13 شباط 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

"لا أستطيع أن أنسى اليوم الأكثر سواداً في حياتي. كنا نائمين بسلام واستيقظنا فجر العاشر من آب/أغسطس 2024 لصلاة الفجر، ثم فجّر الجيش الإسرائيلي المسجد. سمعنا دوي الانفجارات وصراخ الناس: 'المسجد!'، كان أطفالي هناك. نزلت مسرعاً لأرى ما الذي حدث ولأبحث عنهم".

 

هكذا يتذكّر مصطفى مهاني، من حي الشجاعية في غزة، معاناته المليئة بالألم واللوعة والحسرة.
يقول مصطفى لـ"النهار": "في البداية لم يكن هناك دخان، كانت النيران مشتعلة داخل المسجد والناس ملقون في الخارج. من دخل للصلاة قُتل بشظايا القذائف، ومن كان على قيد الحياة نُقل على حمالة الإسعاف أو فارق الحياة. دخلت المسجد وأنا أبحث عن أطفالي الثلاثة. كان أحدهم لا يزال على قيد الحياة فسألتُه عن إخوته، فأخبرني الموجودون أن أحدهما قرب دورات المياه. ذهبت إلى هناك فوجدت شخصاً قد استشهد. أما ابني الأكبر سعد، فكنت أبحث عنه بلا جدوى. أخذت ابني الآخر الذي كان حياً وتحدثت إليه ووضعته في سيارة الإسعاف".

 

"كنت أنادي ابني سعد لكني لم أجده، ولم أعثر على جثته أو رفاته. كان اللحم ملقى على الأرض، لحم بشري. كان المسجد لا يزال قائماً، وبين 15 و28 شخصاً ملقى على الأرض، لم نرَ جثة واحدة سليمة، كانوا جميعاً ممزقين... بعدها، ذهبت أنا وزوجتي إلى المستشفى لنبحث عن ابني الذي كان لا يزال حياً، فوجدناه ميتاً".

 

يتابع مصطفى حكايته قائلاً إن "المصابين أُجلوا إلى مستشفى المعمداني، بعضهم عاش أسبوعاً أو خمسة أيام، والبعض الآخر عاش يوماً واحداً، وهناك من عاش شهراً ثم مات. أمضيت أربعة أيام أبحث عن سعد في المشرحة على أمل أن أجده، لكني لم أعثر عليه أبداً".

طرق التعرف على الجثث

وعند سؤالنا مصطفى عن كيفية التعرف على الجثث، يجيب: "بين الشهداء رجال ونساء لم يبقَ سوى رفاتهم. في حالة شيخ الجامع عُثر على رأسه، وفي حالة أخرى عُثر على يد وساعة الشهيد. تم التعرف على البقية بالطريقة نفسها، إذ قامت العائلات بجمع بقايا أجسادهم للتعرف عليهم ودفنهم. جُمعت البقايا في أكفان تزن ما بين 150 و200 كيلوغرام ودُفنت في مقبرة جماعية سُجلت عليها أسماؤهم".

 

ويتابع: "لا تزال دموعي على وجنتيّ، ولا أزال أستيقظ وأنا أصرخ. مررت بحالة نفسية قاسية، رأيت أبنائي أشلاءً. أُصبت في رأسي وعيني وكسرت فكي. ما عساي أن أقول عن الحرب وعن الشرور التي صارعناها وعما فعلوه بنا؟ قتلنا الإسرائيليون بدم بارد، ولم يوقف أحد الإبادة الجماعية والمجازر. لستُ الوحيد الذي يبحث عن أطفاله، فهناك كثيرون مثلي".

حالات أخرى للتبخر الكامل

يقول محمد البرش، من سكان جباليا البلد شمال غزة، لـ"النهار": "منزل عمي بسام قصفته قوات الاحتلال الإسرائيلي بينما كانت العائلة بأكملها بداخله، زوجته وأولاده نحو 12 شخصاً. عندما عدنا بعد غزو الجيش لمنطقتنا وتفحصنا الأنقاض، وجدنا جميع الجثث تقريباً باستثناء اثنتين. تعودان لصبي اسمه إياد وهو الأصغر، وآخر اسمه محمود… تبخر إياد ومحمود".

 

ويضيف: "لم نجد سوى قطعة صغيرة (ثلاثة سنتيمترات) من جمجمة إياد، وبعض من لحمه وعظامه ملتصقة بعضها ببعض ومحترقة ومعلقة بالسقف. لكن الباقي اختفى. أما بالنسبة لجثة محمود فلم نر أي عظام أو جمجمة أو عيون، لا شيء على الإطلاق، اختفت تماماً".

 

ويقول: "كان الدفاع المدني يساعدنا في انتشال الجثث، فهم متخصصون في هذا الأمر، لكنهم أخبرونا أنهم لم يروا من قبل جثثاً تبخرت. كانوا قد سمعوا عن هذه الحالات لكنهم لم يصدقوا حتى رأوها بأم أعينهم. أحد أفراد الدفاع المدني قال لنا: جثتان قد تبخرتا".

 

يتابع محمد: "لا أستطيع أن أنسى ذلك المشهد الذي يُزلزل الروح والمروع بشكل لا يُطاق... أصعب ما في الأمر أن يشعر الناجي من حرب الإبادة بأنه وحيد في هذا العالم، وبأنه نجا وحيداً من المذبحة. هل يستطيع أن يستوعب ذلك؟ ما الذي يدور برأسه؟ هل يقوى على الاستمرار؟ مشاعره المختلطة وصراع رأسه لا يمكن وصفهما، خاصة أن هذا المشهد يتكرر يومياً في ذاكرته".

رماد وأشلاء

خلال الحرب المستمرة على غزة، تبخرت جثامين ما يقارب من 3000 فلسطيني. يقول الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل، لـ"النهار"، إن "ما شهدناه، وبناءً على ما أخبرني به الناس، كان هناك أشخاص في أماكن محددة واختفوا تماماً، تبخروا دون أثر".

 

ويوضح أنه في بعض الحالات "ذاب الجسد تماماً ولم يبق منه شيء، باستثناء ربما بقع من الدم أو شظايا من العظام، أو جزء من فروة الرأس".

 

يضيف بصل: "استخدمت إسرائيل أسلحة محظورة دولياً واستهدفت المدنيين ومباني مدنية، الأمر الذي يُعد انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني. استُخدمت أسلحة فتاكة تُذيب أجساد الناس وتقطعها، وهو ما يُعد انتهاكاً لقواعد الحرب، لكن في غزة أصبح كل شيء مباحاً".

 

ويشرح: "وفقاً للخبراء، الأسلحة المحرمة دولياً تُصدر درجات حرارة عالية للغاية، ما تسبب في تبخر أجساد الناس. لاحظنا ذلك بوضوح خلال عمليات الاستجابة الإنسانية أثناء البحث عن مدنيين، ولكننا لم نجدهم بعد تفتيش المواقع".

يتابع الناطق باسم الدفاع المدني: "قد يقول البعض إن الجثث كانت تحت الأنقاض، لكن هذا غير صحيح. صادفنا هذه الحالة داخل الشقق السكنية وتحت الأنقاض، الجثث لا تختفي ببساطة. كل شيء يكون مرئياً للعين المجردة عادة، وإذا كان هناك شخص داخل مبنى ثم أصيب المبنى بصاروخ جي بي يو 39، فإن هذا النوع من الصواريخ تنتج منه حرارة عالية للغاية تؤدي إلى ذوبان جسده".
ويؤكد بصل أن عملية اغتيال الناطق العسكري لـ"كتائب القسام" حذيفة الكحلوت (أبو عبيدة) أدت إلى تبخر جسده، بعدما انهالت 6 قنابل على مكان وجوده مع عائلته.

تأثير الانفجارات على الجثث

من جهته، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد أكرم سريوي، خلال حديثه مع "النهار"، أن "الأثر على الأجساد يرتبط بعوامل عدة، أهمها قربها من مركز الانفجار ونوعية الذخيرة المستخدمة. فكلما كان الانفجار قوياً، يتحول أي جسم إلى أشلاء، وكلما ابتعد الشخص، خفّت الأضرار".

 

ويشير سريوي إلى أن "تعرض الجسد لانفجار بالغ يمزقه ويحوله إلى أشلاء، ويصعب بعدها التعرف على هويته إلا من خلال فحص مخبري (دي إن أيه). فالملامح تختفي كلياً، ويتعرض الجسد لتشوهات يصعب معها تمييزه بعد ذلك".

 

ويضيف: "في الجيوش النظامية يحمل الجنود أرقاماً معدنية للتعرف عليهم في حال مقتلهم، لكنه لا ينطبق على المدنيين في غزة. لذلك يواجه رجال الإنقاذ صعوبات كبيرة، خاصة أن بعض الجثث تحولت لأشلاء أو تبخرت تبخراً شبه كامل".

 

ويوضح سريوي: "المشكلة الأخرى هي اختلاط أشلاء الضحايا عند استهداف التجمعات السكنية للنازحين في المدارس أو الخيم، فكلها مزدحمة، ما يعقّد عملية فرز الجثث، إضافة إلى عدم وجود مختبرات ولا القدرات الكافية لإجراء التحليل للتعرف عليهم".

 

ويشير إلى أن إسرائيل تستخدم أنواعاً من الأسلحة الفتاكة التي تجعل الأجساد تندثر اندثاراً شبه كامل، من أهمها قنابل "الترموباريك" (الضغط والحرارة)، المعروفة أيضاً بالقنابل الفراغية، والتي تستهدف قتل أكبر عدد ممكن وإحداث أكبر قدر من الدمار، واستخدمت لتدمير الأبراج العالية والمباني السكنية.

 

ويقول سريوي: "يكمن الخطر في طريقة عمل الترموباريك، إذ تنتشر سحابة من المواد الشديدة الانفجار، تتغلغل داخل المكان من ثقب صغير، تدخل إلى الجسم عبر الجهاز التنفسي وصولاً إلى الرئتين، ثم يحدث الانفجار، ما يجعل بعض الأجسام تنفجر من الداخل وتتبخر".

 

ويضيف: "لا الأنفاق ولا الجدران أو السواتر تحمي الأشخاص، فسحابة المواد المتفجرة تنتشر انتشاراً سريعاً، ولا مجال لنجاة الموجودين في دائرة الانفجار، التي قد تصل لعشرات الأمتار. حتى الأماكن المحصنة كالأنفاق والمنازل تتعرض لموجة ضغط عكسية تؤدي إلى دمارها الكامل، نتيجة تفاعل المواد المتفجرة مع الهواء، إذ ترتفع درجات الحرارة إلى أكثر من 3000 درجة مئوية، ما يؤدي إلى فارق كبير بالضغط داخل المبنى وخارجه ويتسبب بانهياره بالكامل".

 

وأيضاً "تستخدم إسرائيل أسلحة حارقة وشديدة الانفجار، برأس حربي يزن قرابة طن من المواد الشديدة الانفجار، ما يؤدي إلى تحويل الأشخاص إلى أشلاء يصعب التعرف عليهم بعد الوفاة"، بحسب سريوي.

 

بين شهادات الأهالي وتفسيرات الخبراء، تتضح صورة مأساة تتجاوز الفقد التقليدي. في غزة، لا يقتصر الألم على الموت، بل يمتد إلى غياب الجسد ذاته، وحرمان العائلات من وداع أخير أو قبر معروف. هكذا يتحول الفقد إلى جرح مفتوح، يضاعف المعاناة ويثقل ذاكرة الناجين.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/18/2026 10:44:00 PM
ديكارلو: إننا نشهد ضمّاً تدريجياً بحكم الأمر الواقع للضفة الغربية، حيث تُغيّر الخطوات الإسرائيلية الأحادية الجانب المشهد تدريجياً
المشرق-العربي 2/19/2026 1:11:00 PM
أهمية هذا التحول لا تقتصر على الجانب السياحي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية وثقافية واجتماعية واسعة.
شمال إفريقيا 2/19/2026 6:01:00 AM
مشاركة صدام حفتر في مؤتمر ميونخ للأمن تُكرّس واقعاً جديداً.