المرسوم رقم 39 يُثير التساؤلات: هل للعفو العام أساس دستوري في سوريا؟

المشرق-العربي 20-02-2026 | 06:00

المرسوم رقم 39 يُثير التساؤلات: هل للعفو العام أساس دستوري في سوريا؟

أثار المرسوم نقاشاً قانونياً واسعاً، بدأ بتساؤلات بشأن سنده الدستوري.
المرسوم رقم 39 يُثير التساؤلات: هل للعفو العام أساس دستوري في سوريا؟
سوريون يتسوقون في أحد أسواق دمشق. (أ ف ب)
Smaller Bigger

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، مساء الأربعاء، المرسوم رقم (39) لعام 2026، القاضي بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره، استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري و"مقتضيات المصلحة الوطنية العليا" بحسب نص المرسوم.


ويتضمن المرسوم تخفيف عقوبة السجن أو الاعتقال المؤبد إلى عشرين عاماً، مع استثناء الجنايات التي نتجت عنها أضرار شخصية ما لم يُسقط المتضرر حقه الشخصي، ومنح مهلة ثلاثة أشهر لتقديم الادعاء في حال لم يكن قد تقدم سابقاً. كما منح إعفاءً كاملاً من العقوبة للمحكومين بحكم مبرم ممن بلغوا السبعين من العمر أو المصابين بمرض عضال غير قابل للشفاء، بصرف النظر عن طبيعة الجريمة، مع مراعاة الشروط والاستثناءات العامة.


وشمل العفو جميع عقوبات الجنح والمخالفات، وعدداً من الجنايات المنصوص عليها في قوانين مكافحة المخدرات والتهريب وتنظيم مهنة الصرافة والتعامل بغير الليرة السورية وتهريب المواد المدعومة، إضافة إلى طيف من الجنايات الواردة في قانون العقوبات العام والعسكري وقانون الجرائم المعلوماتية، على أن تكون بعض هذه الجرائم قد ارتُكبت قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
ومنح المرسوم إعفاءً مشروطاً في جرائم الخطف في حال بادر الفاعل إلى تحرير المخطوف طوعاً من دون مقابل ومن دون التسبب بعاهة دائمة، أو قام بتسليمه إلى جهة مختصة قبل صدور المرسوم أو خلال شهر من صدوره. كما شمل إعفاءً مشروطاً في جرائم الأسلحة والذخائر عند المبادرة إلى تسليم السلاح خلال ثلاثة أشهر.

 


في المقابل، استثنى المرسوم جرائم التعذيب والاتجار بالبشر، وبعض جرائم المخدرات، وجرائم الدعارة، وسرقة مكونات شبكتي الكهرباء والاتصالات، والغش الامتحاني، إضافة إلى الجرائم التي تنطوي على "انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري"، فضلاً عن مجموعة واسعة من الجرائم المحددة في قانون العقوبات.

 

جدل دستوري حيال الصلاحية

أثار المرسوم نقاشاً قانونياً واسعاً، بدأ بتساؤلات بشأن سنده الدستوري.


المحامي معتصم الكيلاني اعتبر أن العفو العام بطبيعته عمل تشريعي، لأنه يضع قاعدة عامة ومجردة تنطبق على فئة غير محددة من الأشخاص، ويؤدي إلى إسقاط الصفة الجرمية عن الأفعال المشمولة به. ورأى الكيلاني أن الإعلان الدستوري الموقت لعام 2025 لم يمنح رئيس الجمهورية صلاحية إصدار عفو عام، بل حصر صلاحياته في العفو الخاص ورد الاعتبار، ما يجعل إصدار مرسوم بالعفو العام – في غياب نص صريح – محل إشكال دستوري يتعلق بحدود الاختصاص ومبدأ المشروعية.


كذلك، لفت الكيلاني إلى أن الصلاحيات الاستثنائية في الفقه الدستوري تُفسَّر تفسيراً ضيقاً، ولا يجوز التوسع فيها بالاستنتاج أو القياس، معتبراً أن غياب تفويض تشريعي صريح يجعل مشروعية المرسوم محل نقاش قانوني معتبر.


بدوره، شدد المحامي ميشال شماس على أن الإعلان الدستوري واضح في توزيع الصلاحيات، إذ ينص على أن السلطة التشريعية يمارسها مجلس الشعب، بينما تقتصر صلاحية رئيس الجمهورية على اقتراح القوانين وإصدار ما يقره المجلس، إضافة إلى منحه العفو الخاص. ورأى شماس أن الضرورة السياسية، مهما كانت، لا تنشئ صلاحيات دستورية غير منصوص عليها، وأن العفو العام يدخل حصراً في اختصاص السلطة التشريعية.

 


أما القاضي حسين حمادة فذهب إلى توضيح الفارق الجوهري بين العفو العام والعفو الخاص، مشيراً إلى أن الأول قانون يصدر عن السلطة التشريعية ويسقط الصفة الجرمية عن الفعل ذاته، في حين أن الثاني مرسوم فردي يقتصر أثره على العقوبة دون أن يمس الوصف الجرمي. ولفت حمادة إلى مفارقة أن الدستور السوري الملغى كان يمنح رئيس الجمهورية صلاحية إصدار مراسيم تشريعية في حال عدم انعقاد مجلس الشعب، بينما لا يتضمن الإعلان الدستوري الحالي نصاً مماثلاً.

 

الرئيس السوري أحمد الشرع. (أ ف ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع. (أ ف ب)

 

محاذير سياسية محتملة

ولا يتوقف الجدل عند حدود التكييف القانوني، بل يمتد إلى دلالات أوسع تتعلق بطبيعة المرحلة الانتقالية نفسها.


يرى منتقدون أن الإشكالية لا تكمن فقط في مخالفة نص في الإعلان الدستوري، بل في أن السلطة التي نشأت عن مؤتمر النصر هي ذاتها التي وضعت هذا الإعلان وأقرّته بتوقيع الرئيس، من دون استفتاء شعبي. وبحسب هؤلاء، فإن تجاوز الإطار الذي وضعته السلطة لتنظيم المرحلة الانتقالية يبعث برسالة مفادها أن الالتزام بالنص مرهون بإرادتها، لا بكونه قيداً ملزماً لها.


ويشير بعض القانونيين والمراقبين إلى أن غياب مجلس شعب مكتمل التشكيل ومحكمة دستورية فاعلة يخلق ما يصفونه بـ"فراغ تفسيري"، يفتح الباب أمام قراءات متباينة لخطوة الرئاسة، تراوح بين اعتبارها إجراءً سياسياً لامتصاص احتقان اجتماعي، وبين اتهامها باستخدام العفو كأداة لإعادة تشكيل التوازنات الأمنية في بعض المجتمعات.


ويذهب منتقدون إلى أن خصوصية هذه المخالفة تكمن في أنها تمس إحدى النقاط القليلة التي أبقى الإعلان الدستوري فيها شكلاً من أشكال الفصل بين السلطات، إذ ترك إقرار العفو العام للسلطة التشريعية. ويرون أن ممارسة الرئيس لهذه الصلاحية تمثل عملياً تجاوزاً لخط الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بما يعزز تمركز السلطة في الرئاسة.


وفي تقديرهم، فإن كسر مبدأ الفصل بين السلطات في مرحلة انتقالية يفترض أنها محددة زمنياً، يثير تساؤلات حيال الضمانات المستقبلية، سواء في ما يتعلق بوضع دستور دائم أو بتنظيم انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية. ويضيف هؤلاء أن الخطورة لا تتعلق بقرار منفرد، بل بإمكانية تحول مثل هذه الخطوات إلى سوابق تتراكم بمرور الوقت، خصوصاً في مرحلة انتقالية لا يزال أمامها عدة سنوات.
ويحذر بعضهم من أن تكرار مثل هذه الممارسات قد يفضي إلى ما يصفونه بـ"توسيع عملي للصلاحيات"، حتى وإن بقي النص الدستوري قائماً شكلياً، ما يترك مسار السنوات المتبقية من المرحلة الانتقالية مفتوحاً على احتمالات متباينة.

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/18/2026 10:44:00 PM
ديكارلو: إننا نشهد ضمّاً تدريجياً بحكم الأمر الواقع للضفة الغربية، حيث تُغيّر الخطوات الإسرائيلية الأحادية الجانب المشهد تدريجياً
المشرق-العربي 2/19/2026 1:11:00 PM
أهمية هذا التحول لا تقتصر على الجانب السياحي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية وثقافية واجتماعية واسعة.
شمال إفريقيا 2/19/2026 6:01:00 AM
مشاركة صدام حفتر في مؤتمر ميونخ للأمن تُكرّس واقعاً جديداً.