المشرق-العربي
19-02-2026 | 06:16
الخليل بين الحواجز والقرارات الإسرائيلية: من التضييق اليومي إلى الضم الفعلي
كيف ستؤثر قررات الحكومة الإسرائيلية بشأن الضفة الغربية على الوضع القائم في مدينة الخليل؟
لافتة تشير إلى اتجاه الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة في مدينة الخليل. (النهار)
تُعدّ الخليل منطقة دائمة التوتر، إذ إن المدينة مقسّمة وفقاً لما يُعرف بـ"بروتوكول الخليل"، الموقّع بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية عام 1997، وأدّى إلى تقسيم المدينة إلى منطقتين: (H1)، التي تُشكّل 80 بالمئة من المساحة الكلية للمدينة وتخضع للسيطرة الفلسطينية، ومنطقة (H2) التي تُشكّل 20 بالمئة من مساحتها، بقيت تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، فيما نُقلت الصلاحيات المدنية إلى السلطة الفلسطينية.
ويحرس الجنود الإسرائيليون مئات المستوطنين الذين يقيمون وسط الأحياء الفلسطينية، ويحاولون منذ سنوات فرض سيطرتهم المطلقة على المدينة.
يظهر هذا التقسيم جلياً في المنطقة الممتدة بين البلدة القديمة وتل الرميدة، كما تتضح معاناة الفلسطينيين في الدخول إلى أحيائهم الواقعة ضمن هذا التقسيم؛ فبين الحين والآخر يمكن رصد طلاب المدارس ينتظرون سماح الجنود لهم بالدخول إلى البلدة القديمة عبر الحواجز المنتشرة للعودة إلى منازلهم.
واقع مأسوي
سندس (10 أعوام) تقول لـ"النهار"، لدى انتظارها عند باب الزاوية، إنها خرجت بعد انتهاء دوام المدرسة لتتنفّس وتشتري الحلوى وبعض المقرمشات، ففي المنطقة التي تعيش فيها لا توجد أي محلات تجارية، والحياة "تشبه حظر التجول"، وجميع المرافق الحيوية مغلقة، باستثناء دكان صغير جداً. وتضيف أن الجنود يُجبرونهم على الانتظار طويلاً للسماح لهم بالدخول، كما يضطر بعض الأهالي والطلاب إلى الانتظار ساعات صباحاً، وفي بعض الأحيان يصلون بعد الحصة الأولى بسبب مضايقات الجنود.
أبو محمد، من سكان تل الرميدة، يقول لـ"النهار" إنه يعاني منذ 28 عاماً جراء التنكيل على الحاجز أثناء الدخول والخروج، كما لا يسمح الجنود بدخول السيارات إلى المنطقة، ما يُصعّب إدخال المواد التموينية والأثاث. ويضيف أنه وزوجته فقدا جنينين، إذ كانت تصل إلى المستشفى متأخرة بعد شعورها بآلام الولادة، بسبب الانتظار وإجراءات التفتيش المعقدة التي يتعمد الجنود القيام بها.
ويتابع أن أولاده كانوا يتعرّضون للضرب والتنكيل من المستوطنين يومياً، معتبراً أنها "ضريبة" فُرضت عليه لأن باروخ مارزل، عرّاب الاستيطان في الخليل وصديق وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يقيم في المستوطنة المقابلة لمنزله.
ويشير إلى أن العائلة حُرمت أبسط حقوقها في البناء والتوسّع وإدخال رجال الصيانة لإجراء التصليحات اللازمة، كما أن الكهرباء مقطوعة عن المنزل منذ ثلاثة أيام لأنهم يرفضون السماح له بإدخال كهربائي مختص لفحص أسباب انقطاع التيار.
أطفال ينتظرون دورهم لعبور إحدى البوابات في مدينة الخليل. (النهار)
من ضمّ "ناعم" إلى "فعلي"
منذ أيام، أقرّ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت) قرارات تستهدف إحداث تغييرات في واقع الضفة الغربية، بهدف تعزيز السيطرة الإسرائيلية عليها، والانتقال من "الضم الناعم" إلى "الضم الفعلي".
وتضمّنت القرارات إلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع أراضي الفلسطينيين لليهود، ورفع السرية عن سجلات الأراضي، ونقل صلاحيات ترخيص البناء في التجمع الاستيطاني بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية.
كذلك، شملت توسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ الإسرائيلية لتشمل المناطق المصنفة "أ" و"ب"، ما من شأنه إحداث تغييرات جوهرية في آليات إدارة الأراضي وتسجيلها، بشكل يسرّع وتيرة الاستيطان ويسهّل السيطرة الإسرائيلية، ويوسّع صلاحيات الهدم والمصادرة لتشمل مباني فلسطينية في المناطق المصنفة "أ" و"ب"، بذريعة مخالفات البناء غير المرخّص.
وأجازت إصدار أوامر بوقف البناء أو الهدم إذا اعتُبرت منشآت فلسطينية مضرّة بموقع أثري أو مُشكّلة ضرراً بيئياً، أو مخالِفة لأنظمة إدارة المياه، حتى في مناطق تخضع إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية. ويُذكر أن المنطقة "أ" تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة، والمنطقة "ب" للسيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية، فيما تقع المنطقة "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتُقدَّر بنحو 60 بالمئة من مساحة الضفة، وذلك وفقاً لتفاهمات أوسلو.
يقف وراء هذه القرارات، التي تهدف إلى توسيع رقعة الاستيطان وفرض إجراءات يصعب التراجع عنها قانونياً، كلّ من وزير الأمن يسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، اللذين يسعيان إلى إزالة معوقات قائمة منذ عقود، لإعادة تشكيل الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية.
ومن شأن هذه الإجراءات أن تُفضي إلى ممارسة صلاحيات إدارية إسرائيلية تُقصي السلطة الفلسطينية من المشاركة في قرارات التخطيط العمراني والتنمية، حتى في المناطق الخاضعة لسيطرتها، كما ستمنح الجهات الإسرائيلية صلاحيات واسعة، في وقت تسعى فيه الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع المستوطنات وإجراء تغييرات في الوضع القائم داخل الحرم الإبراهيمي ومحيطه، وتطوير الاستيطان وإقامة مستوطنات إضافية.
يُذكر أن إسرائيل سبق أن استحوذت على هذه الصلاحيات في حالات ادّعت أنها لأغراض الترميم في الحرم الإبراهيمي، وأماكن أخرى مثل مجمع المحطة المركزية القديمة، إلا أن القرار الحالي ينصّ على نقل شامل للصلاحيات، ما يتيح للمستوطنين وضع أيديهم على أي مبنى وإعلانه موقعاً أثرياً بسهولة.
كما تقرر إنشاء مديرية خاصة لإدارة موقع "قبر راحيل" في بيت لحم، بما يتيح للحكومة تخصيص ميزانيات لتطوير الموقع والمؤسسة الدينية التابعة له.
ووفقاً لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، فقد تم منع رفع الأذان 769 مرة في الحرم الإبراهيمي خلال عام 2025، كما قامت القوات الإسرائيلية بتركيب أقفال على جميع البوابات، وتركيب أجهزة إنذار للحريق، ومنع المصلين من الدخول.
وفي الوقت الذي يُرسّخ فيه المستوطنون وجودهم في أنحاء الضفة، يعيش الفلسطينيون واقعاً مريراً، من دون صلاحيات أو حماية، على مرأى من مجتمع دولي لا يرى ولا يسمع ولا يتحرك، ويكتفي بإصدار بيانات الشجب والإدانة التي فقدت أثرها من كثرة تكرارها.
وبحسب خبراء ومحللين، فإن "التغييرات القانونية الأخيرة لا تكتفي بتقويض الاتفاقات التي وقّعتها إسرائيل قبل عقود، بل تُضعف أيضاً ما تبقى من صلاحيات للسلطة الفلسطينية".
إحدى البوابات الحديدية التي أقامها الجيش الإسرائيلي في مدينة الخليل. (النهار)
"مدينة يهودية"
ويقول الباحث المختص في الاستيطان هشام شرباتي، لـ"النهار"، إن تأثر مدينة الخليل بهذه القرارات سيكون مباشراً، لوجود مستوطنات ومستوطنين فيها، فيما تسعى السلطات الإسرائيلية إلى تعزيز وجودهم. ويوضح أنه على مدار سنوات طوال أُغلقت المنطقة التي تصل بين البؤر الاستيطانية في قلب الخليل ومستوطنة "كريات أربع"، والآن ستحاول السلطات إيجاد آلية للربط بينها، وصولاً إلى إعلان أن "الخليل مدينة يهودية".
ويلفت شرباتي إلى أن وزير الأمن السابق أفيغدور ليبرمان كان قد أنشأ عام 2017 مجلساً بلدياً للمستوطنات الموجودة في قلب الخليل، ومن المتوقع توسيع صلاحياته لتشمل التنظيم والبناء وشق الطرق، وتخصيص المساحات العامة وإقامة الحدائق.
ويضيف أنه سيتم استهداف الفلسطينيين الذين يعيشون داخل المناطق المغلقة، ما قد يؤدي إلى تهجيرهم، كما سيحاول المستوطنون انتزاع صلاحيات بلدية الخليل ووزارة الأوقاف في إدارة الحرم الإبراهيمي، الذي يُعدّ رابع المقدسات الإسلامية أهمية بعد مكة والمدينة المنورة والقدس.
ويخلص إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تتخذ قرارات "حبر على ورق"، بل تعمل على تنفيذها بالكامل، مشيراً إلى أن المستوطنين سيقومون بتهديد ينابيع المياه التي تستفيد منها عائلات فلسطينية في المدينة، وسيحاولون فرض سياسات جديدة في البلدة القديمة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
2/18/2026 9:08:00 PM
سنتكوم: "إف/إيه-18 سوبر هورنت" تقلع من حاملة "أبراهام لينكولن" خلال أقل من 3 ثوانٍ
لبنان
2/18/2026 9:57:00 AM
هزة أرضية بقوة 2.5 درجات على مقياس ريختر، حدد موقعها في منطقة قرنايل.
لبنان
2/18/2026 11:09:00 AM
"القمة سوريّة، والحدود اللبنانية تصل إلى ما يقارب الـ2500 متر، أي 500 متر دون القمة"
لبنان
2/18/2026 12:47:00 PM
كيف سيكون الطقس في اليومين المقبلين؟
نبض